
تشهد الأسواق العالمية تحولاً جذرياً في هيكلية الاستثمار، حيث تتدفق رؤوس الأموال بكثافة غير مسبوقة نحو عدد محدود من الشركات العملاقة. هذا الاتجاه، الذي يعيد رسم خريطة الاقتصاد الدولي، يثير قلقاً متزايداً لدى الخبراء من مخاطر نظامية قد تهدد استقرار الأسواق في حال تعثر هذه الكيانات الضخمة.
تشير البيانات الحديثة إلى أن صفقات الاندماج والاستحواذ التي تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار باتت تهيمن على المشهد، مشكلةً نحو 48% من إجمالي قيمة الصفقات العالمية منذ بداية العام. ولا يقتصر الأمر على الاستحواذ، بل يمتد إلى تمويل الشركات الناشئة، حيث تستحوذ الجولات التمويلية التي تتخطى حاجز المليار دولار على 61% من إجمالي رأس المال الجريء.
ويعد الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيس لهذا التوسع؛ إذ من المتوقع أن تضخ شركات التكنولوجيا الكبرى -أمثال ألفابت، وأمازون، وميتا، ومايكروسوفت، وأوراكل- نحو 800 مليار دولار كإنفاق رأسمالي هذا العام، موجهةً بشكل أساسي نحو تطوير مراكز البيانات والبنية التحتية التقنية.
تتمتع الشركات الكبرى اليوم بقدرات مالية استثنائية، حيث بلغت الأرصدة النقدية لشركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 قرابة 2.2 تريليون دولار. هذا الثراء النقدي، بالتزامن مع تحول السياسات الحكومية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نحو مرونة أكبر في قوانين الاندماج، عزز من شهية الشركات نحو التوسع والسيطرة.
على الرغم من جاذبية هذه الصفقات، يحذر محللون من أن هذا التركز يفرض مخاطر هيكلية جسيمة:
إن التوجه نحو اقتصاد العمالقة يطرح تساؤلات وجودية حول مستقبل المنافسة، وما إذا كانت ضخامة هذه الشركات ستكون درعاً حامياً لها في أوقات الأزمات، أم أنها ستصبح أكبر من أن تفشل، مما يضاعف من وطأة أي انهيار محتمل.