
في أحد المباني المتضررة غرب مدينة غزة، تجلس فاتن نبهان محاطة بأطفالها الستة، تحاول التقاط أنفاسها بعد صباح طويل قضته في طوابير انتظار شاحنات المياه. بالنسبة لفاتن وأطفالها، وللعام الثالث على التوالي، لم تعد العطلة الصيفية سوى ذكرى بعيدة، حيث استبدلت ألعاب الطفولة بمهام البقاء على قيد الحياة.
منذ أكتوبر 2023، تحولت حياة الأطفال في القطاع إلى روتين يومي قاسٍ يبدأ بجمع المياه، والوقوف في طوابير المساعدات الغذائية، وجمع الحطب لإشعال النيران. تقول فاتن: هذا هو روتين أطفالي اليومي، لا أنشطة، لا مخيمات، لا ألوان، ولا حتى ورقة وقلم. كل ما أستطيع فعله هو تحفيظهم بعض آيات القرآن، فالموارد معدومة تماماً.
تتحمل فاتن مسؤولية رعاية أطفالها بمفردها بعد استشهاد زوجها رأفت في غارة جوية على مخيم جباليا في أكتوبر 2024. وتضيف بأسى: أشعر بحزن عميق لأنهم يقضون طفولتهم بهذا الشكل. هذا وقت للعب، وليس وقتاً للمسؤولية. وتؤكد أن غياب المبادرات المؤسسية لدعم الأطفال نفسياً في مراكز النزوح جعلهم يعيشون في زاوية منسية من العالم.
هذا الواقع أكدته تقارير دولية، حيث أشارت منظمة اليونيسف إلى أن أطفال غزة يفتقرون إلى بيئات آمنة ومحفزة للنمو، مع استمرار انقطاع التعليم وتضاؤل فرص التطور النفسي والاجتماعي. وأكد جوناثان كريك، رئيس الاتصالات في اليونيسف بفلسطين، أن اللعب ليس ترفاً، بل وسيلة حيوية يستعيد بها الأطفال ما سرقته الحرب منهم.
في جانب آخر، تحاول أسماء صالح (41 عاماً) الحفاظ على بصيص من الأمل لأطفالها الخمسة. ورغم قسوة النزوح، تصر أسماء على إشراكهم في أنشطة تعليمية محدودة، وتنجح أحياناً في تأمين مقاعد لاثنين منهم في مخيم صيفي محلي ليوم واحد في الأسبوع.
تصف أسماء فرحة أطفالها في يوم المخيم قائلة: يستيقظون بحماس غير معتاد، يسرعون للاستعداد. لكن بقية أيام الأسبوع تمر في رتابة قاتلة. وتلاحظ أسماء أن غياب الأنشطة الجماعية يؤدي إلى توتر بين الأشقاء، بينما يعود المشاركون في المخيم بحالة نفسية أفضل.
وتختتم أسماء حديثها بالإشارة إلى أنها تحاول تعويض النقص بما يتوفر لديها من أدوات بسيطة مثل أوراق الرسم والألوان، مؤكدة أن ساعة واحدة من اللعب المنظم تصنع تحولاً نفسياً ملموساً لدى الأطفال.