
كم شخصاً يحمل داخله اليوم قنبلة موقوتة دون أن يعلم؟ داء السكري من النوع الثاني لا يقرع الباب فجأة، بل يتسلل من الشقوق الصغيرة، ويستقر لسنوات طويلة قبل أن يُعلن عن وجوده، تاركاً خلفه سلسلة من الإشارات الخافتة التي يسهل تجاهلها. في هذه المرحلة، يقرأ الطبيب الأرقام ويقول بلهجة مطمئنة: لست مصاباً بالسكري.. لكنك في مرحلة ما قبل السكري. تلك الجملة تختصر معركة صامتة بين بنكرياس يحاول الصمود، وخلايا بدأت تفقد قدرتها على الاستجابة للإنسولين.
داخل البنكرياس، تعمل جزر صغيرة كغرفة تحكم بالغة الدقة؛ فإذا ارتفع سكر الدم تنشط خلايا بيتا لتفرز الإنسولين، وإذا انخفض السكر، تستيقظ خلايا ألفا لتفرز الغلوكاغون. وهذا التوازن الدقيق يضمن بقاء سكر الدم ضمن نطاق يحفظ للجسم توازنه.
وتمر استجابة خلايا بيتا بطورين؛ الأول سريع وفوري عقب تناول الطعام لامتصاص ارتفاع السكر، والثاني أبطأ لتصنيع المزيد من الإنسولين. وعندما يبدأ الخلل الصامت، يكون هذا الطور الأول هو أول ما يتأثر، حيث تفقد الخلايا قدرتها على الاستجابة الفورية قبل أن يظهر أي أثر واضح على مستويات السكر في الدم.
في مرحلة ما قبل السكري، يبذل البنكرياس جهداً هائلاً للتعويض، مما يجعل السكر قريباً من المعدل الطبيعي، فلا يشعر الإنسان بشيء. ومع ذلك، لا يعني غياب الأعراض غياب التأثير؛ إذ تبدأ الأوعية الدموية بالتأثر، ويزداد خطر الإصابة بأمراض القلب، وارتفاع الضغط، وتشحم الكبد.
ليس كل من لديه سكر دم صائم طبيعي يتمتع بحساسية إنسولين جيدة؛ فقد يحافظ الجسم على توازنه عبر إفراز كميات إضافية من الإنسولين. هنا تبرز أهمية مؤشر (HOMA-IR)، وهو نموذج رياضي يقدّر مقاومة الإنسولين ووظيفة خلايا بيتا بناءً على تحليلين بسيطين: سكر الدم الصائم والإنسولين الصائم.
ارتفاع قيمة هذا المؤشر يعني أن الخلايا بدأت تفقد حساسيتها، وأن البنكرياس يبذل جهداً إضافياً خلف الكواليس. ومع ذلك، لا توجد قيمة قطعية موحدة عالمياً، ويجب دائماً تفسير المؤشر ضمن سياق التاريخ المرضي، ومحيط الخصر، والوزن، والدهون في الدم.
تعتمد الجمعية الأمريكية للسكري (ADA) على ثلاثة تحاليل رئيسية:
إلى جانب هذه التحاليل، تُعد مؤشرات محيط الخصر، ومؤشر كتلة الجسم (BMI)، وضغط الدم، ومستويات الدهون الثلاثية والكوليسترول الحميد (HDL)، عوامل حاسمة في تقييم الحالة الصحية الشاملة.
تؤكد التوصيات العلمية أن نمط الحياة هو حجر الأساس للوقاية، ويشمل ذلك:
يبقى تعديل نمط الحياة هو الأساس، لكن في حالات محددة -كالسمنة المفرطة، أو وجود عوامل خطورة قلبية واضحة، أو فشل تعديل نمط الحياة في خفض الأرقام- قد يلجأ الأطباء لوصف أدوية مثل الميتفورمين للوقاية من تطور الحالة إلى سكري كامل.
ختاماً، مرحلة ما قبل السكري ليست طريقاً بلا عودة، بل رسالة هادئة يبعثها الجسد قبل أن يرفع صوته. إن الالتزام بتغييرات بسيطة في الوزن والنشاط البدني كفيل بإعادة الجسم إلى المنطقة الآمنة، والقرار في هذه المرحلة لا يزال بيد صاحبه.