
تقف البشرية مذهولة أمام مشهد التوائم السيامية الملتصقة من الرأس، حيث يتداخل الدماغ والأوعية الدموية في تشابك معقد يصنفه الطب الحديث بين الجراحات الأعقد والأخطر تاريخياً. وفي قلب هذه التحديات، يبرز جراح الأعصاب البريطاني البروفيسور أويس جيلاني، الذي أعاد صياغة مفهوم التعامل مع هذه الحالات عبر دمج الفلسفة الهندسية بتقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي.
يوضح جيلاني أن مواجهة هذا النوع من الالتصاق تتطلب التخلي عن النظرة الطبية التقليدية والتحول نحو التخطيط الهيكلي. ويقول: عندما تنظر إلى هؤلاء الأطفال الملتصقين، فإن درجة الالتصاق من الخارج تبدو معها عملية الفصل دون أذى أمراً مستحيلاً، وهنا يتعين على الجراح أن يفكر كمهندس.
أحدثت هذه الرؤية ثورة في التعامل مع الحالات، فبدلاً من العمليات الكلاسيكية المنهكة التي كانت تستغرق 40 ساعة متواصلة وتنتهي غالباً بوفاة أحد الطفلين أو كليهما، اعتمد جيلاني وفريقه جراحة المراحل. وتتراوح العملية بين مرحلتين و4 مراحل تفصل بينها أسابيع كاملة، مما يمنح الأجساد الغضة فرصة حقيقية للتعافي وتقليل الصدمة الجراحية.
لم يعد الاعتماد في فصل الدماغ والأوعية الدموية مقتصراً على الصور ثنائية الأبعاد أو الحدس المهني، بل أصبحت التكنولوجيا الرقمية شريكاً رئيسياً في غرفة العمليات. فمنذ عمليته الأولى عام 2006، قاد جيلاني قفزة نوعية بدمج صور الرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي في منصات الواقع الافتراضي والمعزز والمختلط.
تتيح هذه التقنيات ابتكار توأم رقمي ثلاثي الأبعاد يطابق تشريح الأطفال المعقد بدقة، حيث يمكن للجراحين من قارات مختلفة الاجتماع في غرفة عمليات افتراضية لمناقشة واختبار نحو 100 خطوة حاسمة قبل ملامسة جسد المريض.
لا تنحصر جهود الجراح البريطاني في المشافي اللندنية، بل تمتد عبر هاجس إنساني لإيصال هذا العلاج المعقد إلى الأسر الفقيرة في العالم العربي والمناطق النامية. ومن هذا المنطلق، أسس جيلاني جمعية خيرية تهدف إلى تحقيق العدالة الطبية، مؤكداً أن الإنجاز العلمي لا يكتمل إلا بوصوله للأطفال المحتاجين أينما كانوا.
وفي ختام حديثه، يصف جيلاني اللحظة الإنسانية الأجمل بعد نجاح العمليات ورؤية الأطفال يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، قائلاً: إنه يشبه حملاً ثقيلاً ظل على كتفيك لعام أو عامين.. حينها يصبح من المستحيل وصف مقدار الرضا والسعادة بالكلمات.