
مع حلول الذكرى الخامسة عشرة لاستقلال جنوب السودان في التاسع من يوليو، تبدو الآمال الكبيرة التي رافقت ميلاد أحدث دولة في العالم عام 2011 قد تلاشت، لتحل محلها واقعية صعبة ومريرة. فبعد عقود من النضال من أجل تقرير المصير، وحرب أهلية طاحنة مع السودان، دخلت الدولة الوليدة في صراعات داخلية دامية بين عامي 2013 و2018، أودت بحياة مئات الآلاف.
ورغم أن اتفاق السلام المنشط لعام 2018 قد أنهى القتال بشكل واسع، إلا أن المحللين والوكالات الإنسانية يؤكدون أن تنفيذ بنود الاتفاق لا يزال متعثراً، مما يترك المواطنين في حالة من الترقب والتساؤل حول متى ستصل ثمار الاستقلال إلى حياتهم اليومية.
تقول سابيلا سبيت، ناشطة من ولاية بحر الغزال الغربية: الخدمات الأساسية كالرعاية الصحية والمياه النظيفة لا تزال محدودة للغاية، وأصبحت أقرب إلى الامتياز منها إلى الحق. العنف المحلي والقبلي لا يزال يقوض الحياة اليومية في معظم أنحاء البلاد، مما يجعل تحقيق سلام دائم مطلباً ملحاً لضمان أمان العائلات. وأضافت سبيت أن حصة الـ35 بالمئة المقررة للمرأة في اتفاق السلام لم تُنفذ بالكامل بعد، وسط تجميد للتشريعات الداعمة لحقوق المرأة.
تتنوع التحديات التي تواجه الدولة، حيث تشير الناشطة زبيب موسى لورو بخيت إلى تصاعد العنف بين المجتمعات، وهجمات الانتقام، ونهب الماشية، وعمليات القتل المستمرة للمدنيين على أيدي مسلحين مجهولين. وتضيف بخيت أن العنف القائم على النوع الاجتماعي، وزواج القاصرات، والاستيلاء على الأراضي، إلى جانب التدهور الاقتصادي، جعلت الكثير من المجتمعات تعيش تحت وطأة الجوع وغياب الدعم الحكومي.
من جانبه، يرى توماس باتيستا بالاش، وهو من سكان جوبا، أن هذه الذكرى هي لحظة للتأمل أكثر منها للاحتفال. ويقول: الفساد، والقبلية، وضعف المؤسسات لا تزال تقوض التقدم، مما يجعل المصالحة الوطنية ضرورة حتمية لتحقيق الوحدة.
وتواجه الوكالات الإنسانية ضغوطاً متزايدة نتيجة الصراعات، والصدمات المناخية، وتدفق أكثر من 1.2 مليون لاجئ وعائد فروا من الحرب في السودان المجاور.
يقول كيران سيجر، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جوبا: نشهد طلباً متزايداً على خدمات الطوارئ الطبية مع تصاعد وتيرة القتال؛ ففي النصف الأول من عام 2026، أجرينا 266 عملية إجلاء طبي، بزيادة قدرها 50 بالمئة عن نفس الفترة من العام الماضي. وأشار سيجر إلى أن المستشفى العسكري في جوبا يعمل حالياً بطاقة تفوق طاقته الاستيعابية.
يؤكد جيمس بوبويا إيديموند، الرئيس التنفيذي لمعهد أبحاث السياسة الاجتماعية، أن اتفاق السلام لعام 2018 يظل الإطار الأكثر قابلية للتطبيق، لكن تنفيذه يسير بوتيرة أبطأ بكثير من المتوقع، حيث تشير التقديرات إلى أن أقل من 25 بالمئة من الاتفاق قد نُفذ فعلياً.
وأشار إيديموند إلى أن التأخير في إصلاح القطاع الأمني، وضعف المؤسسات المحلية، والقيود المالية، لا تزال تمثل عقبات رئيسية. ومع اقتراب موعد الانتخابات الأولى بعد الاستقلال في 22 ديسمبر 2026، يشدد إيديموند على أن إجراء انتخابات ذات مصداقية يتطلب بيئة سياسية آمنة، واستكمال صياغة الدستور، وتوفير تعليم مدني كافٍ للناخبين.
وفي حين تؤكد الحكومة أن تمديد الفترة الانتقالية كان ضرورياً لاستكمال بنود السلام، يظل المواطنون في جنوب السودان عالقين بين وعود الاستقلال التي ألهمت ولادة الدولة، والواقع القاسي الذي يفرض تحديات يومية لا تنتهي.