
في التاسع من يوليو/تموز 2011، ارتفع علم جنوب السودان للمرة الأولى فوق سماء جوبا، معلناً ميلاد أحدث دولة في العالم بعد عقود من الحروب. لم يكن ذلك المشهد مجرد إعلان سياسي، بل كان تتويجاً لآمال ملايين الجنوبيين في عهد جديد من السلام والاستقرار والتنمية.
وبعد مرور خمسة عشر عاماً، يجد جنوب السودان نفسه أمام مراجعة شاملة لمسيرته، حيث تتقاطع طموحات التأسيس مع واقع معقد تفرضه الأزمات الاقتصادية، وتعثر بناء المؤسسات، وتبعات الصراعات الداخلية.
تأتي الذكرى الخامسة عشرة في وقت تستعد فيه البلاد لإجراء أول انتخابات عامة، وسط تحديات جسيمة تتمثل في تنفيذ اتفاق السلام، استكمال الترتيبات الأمنية، ومواجهة تدهور الأوضاع الاقتصادية. ويستحضر الكثيرون مقولة الرئيس سلفاكير ميارديت في خطاب التأسيس: اعتبارا من اليوم، لن يكون لدينا أي عذر، ولن نجد من نحمله مسؤولية إخفاقاتنا، لتصبح اليوم معياراً يقيس به المواطنون حصيلة التجربة.
سرعان ما تبدلت الأولويات بعد الانفصال، إذ انزلقت البلاد نحو حرب أهلية في أواخر عام 2013، مما أدى إلى انكماش اقتصادي حاد. ويرى الباحثون في جوبا أن التحدي الأكبر يكمن في تحول تطلعات المواطنين من نيل الدولة إلى بناء الدولة التي توفر الخدمات والعدالة.
وتشير التقارير الدولية إلى أن نحو 87% من السكان يعيشون في فقر مدقع، بينما يواجه ملايين المواطنين انعدام الأمن الغذائي، مما يجعل البلاد في مواجهة إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في القارة الأفريقية.
يؤكد خبراء الاقتصاد أن الاعتماد الكلي على النفط كنموذج ريعي دون بناء قاعدة إنتاجية قد فاقم من تداعيات الأزمات، خاصة بعد تعطل صادرات النفط نتيجة الحرب في السودان المجاور. وقد أدى ذلك إلى تآكل القوة الشرائية وتضخم كبير في الأسعار.
إن رحلة جنوب السودان على مدار خمسة عشر عاماً تظل مفتوحة على تحديات كبيرة؛ حيث يبقى السؤال الجوهري معلقاً: كيف يمكن للنخب السياسية تحويل السلام إلى واقع ملموس، وتحويل الثروة إلى تنمية مستدامة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟