
تراقب بكين عن كثب تطورات التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرة إياه اختباراً محورياً لتوازنات النظام الدولي الراهن. ولا تقتصر الرؤية الصينية على البعد العسكري المباشر، بل تمتد لتشمل تقييم أمن الطاقة، واستقرار الممرات البحرية الحيوية، وموقع الصين في عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب.
تشير التقارير الواردة في الصحافة الصينية إلى أن الضربات الجوية الأمريكية الأخيرة، التي استهدفت أكثر من 80 موقعاً داخل إيران، تمثل تصعيداً غير مسبوق في حدته، متجاوزة في حجمها العمليات السابقة بخمسة أضعاف. وفي ظل تصريحات أمريكية تشير إلى انتهاء صلاحية التفاهمات القائمة، ردت طهران عبر الحرس الثوري باستهداف 85 موقعاً أمريكياً في محيط دول الجوار الخليجي، مما أعاد المشهد برمته إلى نقطة الصفر مع تعليق كامل للمفاوضات.
تأثرت أسواق الطاقة فورياً بالتوترات، حيث لامس خام برنت حاجز الـ 78 دولاراً للبرميل. ومع ذلك، تشير التحليلات الصينية إلى أن هذا الارتفاع هو رد فعل قصير الأمد للمخاطر الجيوسياسية، بينما تفرض الضغوط الهيكلية -مثل زيادة إنتاج مجموعة أوبك+ وضعف الطلب العالمي- واقعاً مختلفاً قد يدفع السوق نحو فائض في المعروض، مما يقلل من تأثير أزمة هرمز كعامل وحيد لتحديد الأسعار.
رغم الخطاب الرسمي الصيني الداعي للتهدئة والعودة للحوار، إلا أن القراءة الاستراتيجية لبكين تتسم ببراغماتية عالية. فقد نجحت الصين في خفض حساسيتها للصدمات النفطية عبر تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في البدائل، مما منحها مساحة أكبر للمناورة السياسية بعيداً عن ضغوط الأسواق المباشرة.
الصين خففت من حساسيتها للصدمات النفطية عبر تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في البدائل، مما يمنحها هامشا أوسع للتحرك السياسي دون ضغط اقتصادي مباشر
شكل الصراع الحالي اختباراً لمجموعة بريكس+، حيث كشف التباين في مواقف الدول الأعضاء عن طبيعة التكتل غير التحالفية. فبينما أدانت الصين وروسيا وجنوب أفريقيا الهجمات، اتخذت دول أخرى مواقف تعكس حساباتها الإقليمية الخاصة. ويرى المحللون أن هذا التباين ليس دليلاً على الفشل، بل تجسيداً لمرونة التكتل كمنصة تعددية تحترم استقلالية القرار الوطني.
تعتمد بكين في تعاملها مع الأزمة على ثلاث ركائز أساسية:
وتخلص القراءة الصينية إلى أن الأزمة ليست صراعاً ثنائياً منعزلاً، بل حلقة في سلسلة تحولات بنيوية للنظام الدولي، مما يدفع بكين إلى مواصلة دور الموازن الذي يجمع بين حماية المصالح الوطنية وبين تعزيز شبكات الشراكة الدولية المتعددة.