
قبل سنوات، حين كان يُطلب من طفل في السابعة من عمره رسم إجابته على سؤال ماذا تريد أن تكون حين تكبر؟، كانت الخيارات تدور في فلك المهن التقليدية كالطبيب أو الضابط أو رائد الفضاء. أما اليوم، وفي قاعات الدراسة من النرويج إلى الولايات المتحدة، أصبح شعار يوتيوب هو الإجابة الأكثر تكراراً.
هذا التحول الجذري رصدته دراسة أكاديمية حديثة أجراها الباحث ماثيو سيمونو، أستاذ التعليم المهني والتقني في جامعة ويسكونسن ستاوت، في مقارنة ميدانية شملت مئات الأطفال في دول مختلفة، كاشفةً عن تغير عميق في الطموحات المهنية للجيل الرقمي.
اعتمدت الدراسة على مقابلات مباشرة مع أطفال تتراوح أعمارهم بين 7 و11 عاماً، بالإضافة إلى نقاشات مع طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية. وأظهرت النتائج أن أكثر من 60% من المشاركين في الاستطلاع بين عامي 2021 و2024 يطمحون لأن يصبحوا مؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، متجاوزين مهناً تقليدية كلاعب كرة القدم أو الفنان.
ولم يقتصر الأمر على المراهقين؛ إذ تشير بيانات شركة ويكفيلد ريسرش إلى أن 40% من المراهقين (13-18 عاماً) يفكرون جدياً في احتراف صناعة المحتوى كمهنة أساسية.
تكمن المفارقة في أن طموح الأطفال يرتكز على المال والشهرة بعيداً عن الشغف بالإبداع. لكن الواقع الرقمي يروي قصة مختلفة؛ فبحسب تقرير حالة صناع المحتوى لعام 2024، فإن 96% من صناع المحتوى حول العالم يجنون أقل من 100 ألف دولار سنوياً، بينما لا تتجاوز نسبة من يحققون أرقاماً كبيرة 4% فقط.
علاوة على ذلك، تشير الإحصاءات إلى أن 90% من مقاطع الفيديو على يوتيوب لا تتجاوز حاجز الـ 1000 مشاهدة، مما يعني أن طريق النجاح الرقمي محفوف بالمنافسة الشرسة التي لا يراها الطفل عبر شاشة هاتفه.
لا يرى الأطفال وراء الكواليس سنوات العمل الشاق والمونتاج والضغوط، بل يشاهدون فقط النتيجة النهائية اللامعة. وهنا تلعب الخوارزميات دور المحرك الأساسي؛ فهي تغذي الطفل بمقاطع تبرز النجاح السريع والثراء، وتخفي قصص الفشل أو التعلم الطويل، مما يخلق بيئة رقمية تكرس فكرة أن الشهرة هي الهدف الأسهل والأسرع.
يرى الباحثون أن الحل ليس في المنع أو السخرية، بل في تفكيك هذا الحلم. فإذا استخدم الطفل الإنترنت لاستكشاف مجالات شغفه -مثل عالم الأحياء البحرية أو البرمجة- فقد يكون وسيلة إلهام قوية. ويوصي الخبراء بضرورة:
أمام هذا الواقع، بدأت التشريعات الدولية بالتدخل؛ ففي فرنسا مثلاً، أقر البرلمان قانوناً عام 2020 يحمي الأطفال المؤثرين اقتصادياً، من خلال تنظيم ساعات العمل وإيداع أرباحهم في حسابات خاصة لا يحق لهم التصرف بها إلا بعد بلوغ سن الرشد، وذلك للحد من استغلالهم في هذه الصناعة الناشئة.