
مع تجاوز عدد سكان العالم حاجز الـ 8.2 مليار نسمة، يفرض اليوم العالمي للسكان تحولات ديمغرافية عميقة ترسم ملامح العقود المقبلة. وبينما تتجه دول في أوروبا وشرق آسيا نحو تباطؤ النمو السكاني وارتفاع متوسط أعمار مواطنيها، يبرز المشهد العربي كحالة استثنائية تتسم بالنمو المتسارع، وإن كانت تواجه تباينات حادة بين دول تعاني من ضغوط ديمغرافية وأخرى تستعد لمواجهة تحديات الشيخوخة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) إلى أن عدد سكان المنطقة العربية قد بلغ نحو 480 مليون نسمة عام 2024، في مسار تصاعدي يتوقع أن يستمر خلال العقدين القادمين، مدفوعاً باستمرار معدلات الإنجاب المرتفعة في أجزاء واسعة من المنطقة.
تتصدر مصر المشهد الديمغرافي العربي، حيث تشير التوقعات إلى اقتراب عدد سكانها من 160 مليون نسمة بحلول عام 2050. هذا النمو المتواصل يفرض ضغوطاً هيكلية على قطاعات التعليم، الرعاية الصحية، والإسكان، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة بالأمن المائي والغذائي، مما يتطلب سياسات اقتصادية طموحة لمواكبة هذه الزيادة.
على الرغم من التحديات السياسية والأمنية، يُتوقع استمرار النمو السكاني في السودان والعراق واليمن. ويعد العراق من أسرع الدول العربية نمواً، حيث تراهن الدراسات السكانية على أن هذه الزيادة قد تتحول إلى فرصة اقتصادية إذا نجحت الحكومات في توظيف هذه الكتلة البشرية الشابة، بدلاً من أن تصبح عبئاً اجتماعياً ناتجاً عن تفاقم البطالة وضعف الخدمات.
في دول مجلس التعاون الخليجي، يتخذ التحدي طابعاً مختلفاً، حيث يرتبط النمو السكاني بالهجرة والعمالة الوافدة. ومع انخفاض معدلات الخصوبة، تتوجه هذه الدول نحو سياسات تعزز مشاركة المواطنين في سوق العمل ورفع كفاءة القوى العاملة.
في المقابل، تشهد دول المغرب العربي (تونس، المغرب، الجزائر) تحولاً ديمغرافياً يتجه نحو الشيخوخة، مع تراجع معدلات الخصوبة وارتفاع نسبة السكان فوق سن 65 عاماً، مما يفرض تحديات جديدة على أنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي.
تمتلك المنطقة العربية حالياً ما يُعرف بـ العائد الديمغرافي، حيث تشكل الفئات في سن العمل النسبة الأكبر من السكان. وتؤكد الأمم المتحدة أن هذه الفرصة مرهونة بقدرة الاقتصادات الوطنية على:
خلاصة القول، يتوقع أن يبلغ سكان العالم ذروتهم عند 10.3 مليار نسمة في منتصف ثمانينيات القرن الحالي قبل أن يبدأ التراجع. وبالنسبة للمنطقة العربية، فإن مستقبلها لا يتحدد بالأرقام فحسب، بل بقدرتها على تحويل التحديات الديمغرافية إلى قاطرة للتنمية المستدامة.