
في حلقة استثنائية من برنامج الدحيح، يستعرض أحمد الغندور الرحلة المذهلة لمادة الزجاج، التي تحولت من عنصر طبيعي نادر تشكل بفعل النيازك والبراكين، إلى ركيزة أساسية تقوم عليها التكنولوجيا الحديثة والاتصالات العالمية.
بدأت قصة الزجاج قبل ملايين السنين، ليس في الأفران، بل في قلب الصحراء، حيث صهرت حرارة النيازك والبراكين الرمال لتشكل أولى أشكال الزجاج الطبيعي. ويستشهد البرنامج بتميمة الجعران الشهيرة للملك توت عنخ آمون، التي كشفت التحليلات أنها صُنعت من زجاج طبيعي ناتج عن اصطدام نيزك بالصحراء الغربية قبل 29 مليون سنة، إلى جانب استخدام الإنسان القديم للزجاج البركاني الأوبسيديان في صناعة أدواته الحادة.
انتقل الزجاج من كونه سلعة فاخرة للنخب والملوك إلى صناعة استراتيجية. ويستعرض البرنامج حقبة مدينة البندقية الإيطالية، حيث تم تجميع صناع الزجاج في جزيرة مورانو وفرض رقابة صارمة عليهم لمنع تسرب أسرار صناعة الكريستالو. ويحكي الغندور قصة الحرفي أنطونيو ديلا ريفيتا الذي خاطر بحياته للهروب من الجزيرة، في محاولة لكسر الاحتكار الذي منح البندقية قوة اقتصادية لقرون.
لم يتوقف تأثير الزجاج عند حدود الزينة والعمارة؛ فقد أحدث اختراع العدسات ثورة في تاريخ العلم. مكنت النظارات الطبية العلماء والكتاب من مواصلة إنتاجهم المعرفي، بينما فتحت التلسكوبات والمجاهر آفاقاً جديدة لرؤية الكون والكائنات الدقيقة، مما غير فهم البشر للعالم بشكل جذري.
مع الثورة الصناعية، تطورت صناعة الزجاج لتشمل أنواعاً أكثر صلابة مثل البوروسيليكات المستخدم في المختبرات، والزجاج المصفح الذي أنقذ ملايين الأرواح في قطاع السيارات والمباني. واليوم، يتوج الزجاج رحلته التاريخية بدخوله في صلب التكنولوجيا الرقمية، حيث أصبحت الألياف الضوئية المكونة من زجاج شديد النقاء هي العمود الفقري لشبكات الإنترنت، بالإضافة إلى الشاشات الذكية والمرنة التي ترسم ملامح المستقبل.