2026/07/12
تحت أقدامهم كنز من الملاجئ.. كيف تحولت مدن الشمال الأوروبي إلى حصون لا تُقهر؟

لا تعكس الرفاهية التي تتميز بها مدن فنلندا والسويد والنرويج الوجه الوحيد لحياتهم، فخلف هذه الواجهة تكمن استعدادات عسكرية صارمة؛ حيث أعادت دول الشمال الأوروبي تأهيل شبكات عملاقة من الملاجئ النووية المحصنة، تحسباً لأي صراع شامل أو غزو محتمل قد يزعزع استقرار القارة.

لقد أنهى الغزو الروسي لأوكرانيا عقوداً من الاسترخاء الذي أعقب الحرب الباردة، دافعاً هذه الدول إلى تفعيل إستراتيجية الاستخدام المزدوج (Dual-use). وبموجب هذا النهج، لم تُترك الملاجئ كأقبية إسمنتية مهجورة، بل حُولت إلى مسابح أولمبية، وملاعب أطفال، ومرافق ترفيهية تُستخدم يومياً في أوقات السلم، بهدف تغطية تكاليف الصيانة وكسر الحاجز النفسي لدى المواطنين تجاه هذه المنشآت.

نفق
نفق إمداد بمنشأة الدفاع المدني ميريهاكا بوسط مدينة هلسنكي. يُستخدم كمنشأة رياضية وترفيهية في وقت السلم. (غيتي)

العالم السفلي لهلسنكي

في العاصمة الفنلندية هلسنكي، يمتد تحت الأرض عالم سفلي يضم 5500 ملجأ تتسع لنحو مليون شخص، وهو رقم يتجاوز عدد سكان المدينة. وفي ملجأ ميريهاكا، يلهو الأطفال في منطقة مخصصة، بينما تقبع خلف الجدران الصخرية أبواب فولاذية مصممة لصد الإشعاعات والأسلحة الكيميائية.

وتفرض فنلندا، التي تمتلك أطول حدود برية مع روسيا (1340 كيلومتراً)، صرامة عالية في خطط الطوارئ؛ ففي حال نشوب حرب، سيُطبق نظام الغواصات القائم على التناوب في النوم، مع منع الحيوانات الأليفة، وإلزام كل مواطن بحقيبة طوارئ تكفي لـ 72 ساعة، حيث يؤكد المسؤولون أن هذه الملاجئ ليست فنادق، بل أماكن للأمن والسلامة.

حصون السويد والنرويج

في السويد، ترصد التقارير تحول الملاجئ إلى مرافق تحاكي سيناريوهات الخيال العلمي، مثل قاعدة موسكو البحرية المحفورة في الغرانيت، ومركز بيانات بانهوف الذي تُضيئه مصابيح النيون. وقد ألزم قانون جديد دخل حيز التنفيذ مؤخراً البلديات ومالكي العقارات بتوفير مناطق محمية، مع ضرورة جاهزية 64 ألف ملجأ للتشغيل في غضون 48 ساعة فقط.

أما في النرويج، فقد انتقلت البلاد إلى وضع الدفاع الشامل، معيدة إحياء قواعد جبلية مهجورة لحماية طائرات (F-35) والغواصات. وتبرز قاعدة أولافسفيرن كمثال صارخ، حيث بُنيت داخل جرف صخري بسمك 270 متراً، وتضم أحواضاً للغواصات ومستودعات ذخيرة كانت قد بيعت للقطاع الخاص قبل أن تستعيدها الحكومة وتحدثها في عام 2021.

صالة
صالة رياضية في ملجأ ميريهاكا بوسط مدينة هلسنكي. يُستخدم ملجأ ومنشأة رياضية وترفيهية وقت السلم (غيتي)
النرويج وفنلندا والسويد انفردت بما سمي الاستخدام المزدوج، حيث لم تُترك الملاجئ النووية كأقبية إسمنتية مهجورة، بل حولتها إلى مسابح أولمبية، وملاعب أطفال، ومرافق ترفيهية تُستخدم يوميا في أوقات السلم.

أمة المستعدين

تُعد فنلندا نموذجاً لـ أمة المستعدين (Preppers)، حيث لم تتوقف عن بناء الملاجئ منذ عام 1939، مستلهمة ذلك من ذاكرتها التاريخية في حرب الشتاء. ويؤكد يوكا-بيكا شروديروس، من إدارة الإنقاذ في هلسنكي: بدأنا بناء هذه المخابئ عام 1939 ولم نتوقف قط، تحت هذه المدينة كنز ضخم مليء بالثقوب.

إن الحرب في أوكرانيا أيقظت الحمض النووي التاريخي لدول الشمال، التي باتت تنظر إلى هذه التحصينات كضرورة حتمية للنجاة، معتبرة أن ترويض القلق من الفناء النووي عبر تحويل الملاجئ إلى مرافق للحياة هو أذكى وسيلة لصمود الشعوب في وجه التهديدات الوجودية.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news25728.html