
في خطوة استراتيجية مفصلية، بدأت اليابان إجراءات تأسيس أول جهاز استخبارات مركزي لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بهدف تعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التهديدات السيبرانية، وعمليات التجسس، والتدخلات الخارجية التي تستهدف أمنها القومي.
أقر البرلمان الياباني التشريعات اللازمة لإنشاء كيانين استخباراتيين رئيسيين: مجلس الاستخبارات الوطني، الذي سيعمل كمركز للقيادة والتحليل، ووكالة العمليات الاستخباراتية. وتتضمن الإصلاحات تحويل مكتب استخبارات وأبحاث مجلس الوزراء (CIRO) الحالي إلى هيكل مركزي أكثر فاعلية.
وعلى الرغم من أن طوكيو لا تسعى لاستنساخ نموذج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، إلا أن التقارير تشير إلى تعاون وثيق مع حلفاء غربيين، بينهم الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا، لتقديم المشورة الفنية حول تأسيس هذا الجهاز، الذي يصفه خبراء بأنه سيتبنى نموذجاً يراعي الخصوصية الأمنية اليابانية.
تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التحديات الأمنية الإقليمية، لا سيما من كوريا الشمالية وروسيا والصين. ويرى المراقبون أن اليابان التي اعتمدت لعقود على المظلة الاستخباراتية الأمريكية، باتت بحاجة ملحة لبناء قدراتها الذاتية، خاصة بعد التغيرات في السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، والتي دفعت طوكيو لتبني نهج أكثر استقلالية.
ويشير الخبراء إلى ثغرة قانونية كبيرة في اليابان، حيث تفتقر البلاد إلى قانون شامل لمكافحة التجسس، مما جعلها بيئة خصبة لعمليات الاستخبارات الأجنبية التي استهدفت التكنولوجيا والصناعات الحيوية اليابانية لعقود.
يعاني النظام الاستخباراتي الياباني الحالي من تشتت السلطة، حيث يفتقر مكتب استخبارات وأبحاث مجلس الوزراء إلى الصلاحيات القانونية لفرض التعاون بين الوكالات المختلفة، مما يعيق تدفق البيانات الأمنية. كما تواجه السلطات صعوبات قانونية في اعتراض اتصالات الأطراف المشتبه بها أو مقاضاتهم بسبب ضعف الأطر القانونية الحالية.
سارعت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الأمنية، بما في ذلك رفع ميزانية الدفاع إلى مستوى قياسي بلغ 58 مليار دولار، والتوجه نحو إلغاء الحظر المفروض على تصدير الأسلحة الفتاكة. ورغم أن هذه التوجهات أثارت احتجاجات مناهضة للحرب، إلا أن استطلاعات الرأي تشير إلى قبول شعبي واسع للإصلاحات الاستخباراتية، حيث يرى الجيل الشاب في اليابان أن التابوهات التاريخية المرتبطة بالرقابة الحكومية لم تعد تشكل عائقاً أمام ضرورة حماية البلاد.
لا تزال ذكريات شرطة توكو (الشرطة السرية في فترة الحرب) تلقي بظلالها على المجتمع الياباني، مما يثير مخاوف من عودة الرقابة على المواطنين. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الإصلاحات الحالية تركز حصراً على جمع المعلومات الاستخباراتية الخارجية ومكافحة التجسس، ولا تمنح الجهاز الجديد صلاحيات للتدخل في الشؤون الداخلية أو ملاحقة المواطنين على خلفيات سياسية.