
تخطت تجربة الفنانة المكسيكية باولا دلفين حدود الجغرافيا، لتستقر في شوارع لبنان، حيث تواصل تحويل المساحات المعمارية الصامتة إلى لوحات فنية تنبض بالحياة، والهوية، والذاكرة الإنسانية، مستخدمةً أسلوبها المميز في الرسم بالأبيض والأسود.
بعد نجاح تجربتها في مدينة جونية، شرعت دلفين في مشروع جديد في قلب العاصمة اللبنانية بيروت. وعلى مدى عام ونصف من إقامتها في البلاد، وجدت الفنانة في التنوع الثقافي اللبناني والتجارب الإنسانية المشتركة مادة خصبة لإلهامها الفني.
تتمحور أعمال دلفين حول الشخصيات النسائية، حيث ترى أن كونها امرأة يمنحها رابطاً شخصياً ومباشراً مع الشخصيات التي ترسمها، مما يساعدها على إيصال رسائلها بعمق وصدق. وتؤكد الفنانة أن كل جدارية ترتبط بحي معين وسياق اجتماعي خاص، مما يجعل كل عمل يحمل مشاعر وأزمنة وتجارب فريدة، تتسم بالقوة والكرامة والرقة في آن واحد.
حول خيارها الفني الأحادي، توضح دلفين أنها سعت لتحدي الاعتقاد الشائع بأن الألوان هي المصدر الوحيد للجمال والإيجابية. ومن خلال بساطة الضوء والظلال، خلقت دلفين أعمالاً تمزج بين العمق والتعقيد، مقدمةً رؤية بصرية تبتعد عن الأطر التقليدية.
وعن تقنيات عملها، تعتمد دلفين على الطلاء البلاستيكي والفُرش، مع اهتمام بالغ بتحضير الأسطح لضمان ديمومة العمل في مواجهة العوامل الطبيعية. وتشير إلى أنها تحرص قبل البدء بأي مشروع على فهم تاريخ المكان وسكان الحي، إيماناً منها بأن الجداريات ملك للمجتمع الذي يحتضنها.
تعتبر دلفين مشروعها في مدينة جونية من أكثر أعمالها تحدياً، ليس بسبب مساحته فحسب، بل لكونه أول سلسلة جداريات مترابطة تروي قصة واحدة من خلال أجزاء متعددة تتعايش مع بعضها البعض. وقد تطلب هذا العمل مئات الساعات من الدقة والمراقبة لتحقيق التناغم المطلوب.
تختتم الفنانة المكسيكية حديثها بالتأكيد على أن المنطقة العربية تمثل مركزاً غنياً بالتاريخ والفن، معربةً عن رغبتها في استثمار هذه التجارب كوقود لإبداعاتها القادمة، خاصة في مشروعها الحالي ببيروت الذي تصفه بأنه حلم طال انتظاره.