
لا تقتصر أهمية القطع الأثرية التي تحمل نقوشاً متعددة اللغات على قيمتها الجمالية أو التاريخية فحسب، بل تكمن في كونها مفاتيح لغوية مكنت الباحثين من فك طلاسم حضارات كانت حبيسة الصمت لقرون. هذه النصوص، التي تحمل المعنى ذاته بلغات مختلفة، شكلت حجر الزاوية للمقارنة اللغوية وفهم أنظمة الكتابة القديمة.
يُعد نقش بيستون الصخري، الذي أُنجز بأمر من الملك داريوس الأول، أحد أبرز الأمثلة في هذا السياق، حيث يضم نصاً ثلاثي اللغات (الفارسية القديمة، العيلامية، والأكادية). وقد لعب المستشرق البريطاني هنري رولينسون دوراً محورياً في القرن التاسع عشر بفك رموز هذا النص، عبر مقارنة أسماء الملوك الفرس في القسم الفارسي مع نظيراتها في النسختين الأكادية والعيلامية، مما فتح الباب أخيراً لفك رموز الكتابة المسمارية وفهم حضارات الشرق القديم.
في عام 2016، كشف العراق عن لوحين يحملان نصوصاً متوازية بين اللغة الأمورية (التي كانت تُعتبر منقرضة ومجهولة) واللغة الأكادية. ومن خلال مطابقة العبارات الأمورية مع نظيراتها الأكادية المعروفة، استطاع اللغويون فك رموز اللغة الأمورية، مرجحين أن هذه الألواح كانت تُستخدم قديماً كوسائل تعليمية لطلاب اللغة الأكادية.
تتعدد الشواهد الأثرية التي ساهمت في هذا المسار العلمي:
لم يقتصر فك الرموز على النصوص ثنائية اللغة فحسب، بل تضافرت عدة جهود علمية لتحقيق هذه الغاية:
إن فك رموز اللغات القديمة لم يكن وليد صدفة، بل هو ثمرة مزيج متكامل من الاكتشافات النوعية، والجهد البحثي الدؤوب، وتطوير المناهج العلمية التي تواصل اليوم كشف أسرار الماضي عبر أدوات المستقبل.