
تتجه الأنظار في تونس نحو مسار المحاسبة القضائية المرتبطة بمرحلة ما بعد عام 2011، حيث تثير الأحكام الأخيرة الصادرة عن الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب تساؤلات قانونية وسياسية حول مستقبل حركة النهضة وموقعها في المشهد الوطني.
قضت محكمة الاستئناف بتشديد العقوبات في قضايا ذات حساسية عالية، حيث رفعت العقوبة الصادرة بحق وكيل الجمهورية الأسبق، البشير العكرمي، من 23 عاماً إلى 29 عاماً، كما تم رفع عقوبة القيادي السابق في حركة النهضة، الحبيب اللوز، من 13 عاماً إلى 17 عاماً. وتأتي هذه الأحكام على خلفية إدانتهما في قضايا تتعلق بتجاوزات في مسار التحقيق في اغتيال السياسي شكري بلعيد، وتهم تتعلق بالإرهاب والتزوير وتسخير إمكانات لصالح أطراف مرتبطة بجرائم إرهابية.
تأتي هذه الأحكام استكمالاً لمسار قضائي بدأ في أكتوبر 2025، حين أصدرت محكمة الاستئناف أحكاماً نهائية بحق 23 متهماً في قضية اغتيال شكري بلعيد، تراوحت بين الإعدام والسجن. ويرى مراقبون أن هذا التوجه القضائي يعكس صرامة متزايدة في معالجة ملف الاغتيالات السياسية الذي ظل محوراً للسجال في تونس لأكثر من عقد من الزمن.
في قراءته لهذه التطورات، يرى الدكتور أعلية العلاني، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، أن هذه الأحكام قد تشكل مقدمة قانونية تسبق استحقاقات مفصلية، موضحاً أن الأحكام قد تكون مدخلاً لحل حركة النهضة بعد استنفاد درجات التقاضي أمام محكمة النقض.
ويضيف العلاني أن تراجع الحضور الشعبي لتيار الإسلام السياسي يعزز من فرضية التحول في المشهد الحزبي، مشيراً إلى توقعات بصدور قانون جديد للأحزاب يمنع تشكيلها على أسس دينية أو عرقية، مع فرض رقابة صارمة على التمويلات والخطاب.
من جانبه، يرى الخبير طارق أبو السعد أن أهمية الأحكام الأخيرة تتجاوز تشديد العقوبات لتصل إلى دلالاتها السياسية، مشيراً إلى أن هذه الإدانات قد تمهد الطريق لتصنيف حركة النهضة تنظيماً إرهابياً، خاصة في ظل وجود مشروع قانون معروض على البرلمان التونسي يهدف إلى ذلك، بناءً على ما يُعتبر إثباتات قضائية لصلة الحركة بالجهاز السري والاغتيالات.
ويؤكد أبو السعد أن انتقال هذه الملفات من مرحلة الاتهام إلى مرحلة الإدانة وتثبيت الأحكام أمام محاكم الاستئناف يضع الحركة تحت ضغوط تنظيمية وقانونية غير مسبوقة، قد تؤدي إلى تعميق أزمتها الداخلية وتغيير خارطة العمل السياسي في تونس خلال المرحلة المقبلة.