
بعد أقل من ثلاثة أسابيع على توقيع مذكرة تفاهم تهدف إلى إنهاء التوتر العسكري، عادت الولايات المتحدة لفرض حصار على الموانئ الإيرانية، في حين تتبادل واشنطن وطهران الضربات على القواعد والأصول العسكرية عبر الخليج. وبينما يطرح الرئيس الأمريكي فكرة فرض رسوم حماية بنسبة 20% على حركة الشحن، يبدو أن ما يشهده مضيق هرمز ليس انهياراً لاتفاق يونيو، بل هو النتيجة المنطقية لغموض نصوصه.
تعد المادة الخامسة من مذكرة التفاهم، التي تنص على العبور الآمن للسفن التجارية عبر المضيق، جوهر الخلاف. فهذه العبارة، رغم أناقتها، تفتقر إلى أي مضمون قانوني محدد، وهو ما يعكس رغبة الأطراف في التوقيع على نص يسمح لكل جانب بتفسيره وفق رؤيته الخاصة. إن هذا الغموض المتعمد هو السبب وراء تفكك الاتفاق بشكل أسرع مما توقعه المتشائمون.
تتجاهل المذكرة تساؤلات جوهرية حول الجهة المسؤولة عن إدارة المضيق؛ إذ تكلف المادة الخامسة إيران بـ بذل قصارى جهدها لإجراء حوار مع سلطنة عمان ودول الخليج لتحديد الإدارة المستقبلية للمضيق، دون أن تكون الولايات المتحدة -بصفتها القوة البحرية العظمى والضامن التاريخي لحرية الملاحة- طرفاً في هذه المفاوضات.
هذا الفراغ منح طهران فرصة لتسويق فكرة فرض رسوم خدمات أمنية وسلامة، وهو ما يترجم فعلياً إلى طموح إيراني لتحصيل مليارات الدولارات سنوياً، محولةً الممر المائي الدولي إلى منطقة خاضعة لسيطرتها الأحادية.
تكمن المعضلة القانونية في تعارض التفسيرات الدولية:
إن المذكرة لم تحسم هذا النزاع التاريخي، بل اكتفت بصياغات مطاطة حول القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية، مما جعلها مجرد وثيقة لتكريس الخلافات بدلاً من حلها.
في ظل غياب سلطة مقبولة وقواعد متفق عليها، تحول المضيق إلى ساحة لـ قواعد الردع بدلاً من قواعد القانون. فخلال نافذة الـ 60 يوماً التي أقرها الاتفاق لعدم فرض رسوم، شهد المضيق ضربات متبادلة، واستهدافاً للسفن، وإعلانات أحادية بإغلاق الممر المائي، مما جعل من المذكرة دستوراً فاشلاً يحاول تنظيم ممر مائي حيوي عبر صياغات قانونية هشة لا يمكنها تحمل العبء السياسي والعسكري للواقع الراهن.