
تحولت مباراة كرة قدم في نصف نهائي كأس العالم إلى منصة سياسية أعادت إحياء ملف النزاع التاريخي بين الأرجنتين والمملكة المتحدة حول جزر فوكلاند (مالفيناس)، بعد أن احتفل لاعبو المنتخب الأرجنتيني بالفوز برفع لافتة كُتب عليها: جزر مالفيناس أرجنتينية.
تعتبر هذه الجزر، التي تقع على بعد 483 كيلومتراً من الساحل الأرجنتيني، نقطة توتر مستمرة منذ عقود. وبينما حاولت الحكومتان في السنوات الأخيرة تحجيم الخلاف في الأطر الدبلوماسية، جاءت تصرفات لاعبي المنتخب لتعيد الملف إلى صدارة المشهد السياسي، وسط تحذيرات من عقوبات قد يفرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بسبب خرق قواعد السلوك التي تحظر الشعارات السياسية داخل الملاعب.
لم يقتصر التفاعل على اللاعبين، بل تبنت نائبة الرئيس الأرجنتيني، فيكتوريا فيلارويل، هذا الموقف بحماس عبر منصة إكس، حيث كتبت: جزر مالفيناس أرجنتينية! لقد منعوا إدخالها إلى الملعب، لكنهم نسوا أننا نحملها في دمائنا وقلوبنا.
وعززت فيلارويل خطابها بوصف الإنجليز بـ القراصنة المغتصبين، مؤكدة أن الأرجنتين لن تتوقف عن المطالبة بما تعتبره حقاً تاريخياً، في تصريحات تعكس عمق الحساسية الوطنية تجاه هذا الملف.
يعود النزاع إلى القرن التاسع عشر؛ حيث تدعي الأرجنتين وراثة الجزر عن إسبانيا، بينما تديرها بريطانيا فعلياً منذ عام 1833. وفي عام 1982، بلغت التوترات ذروتها باندلاع حرب فوكلاند التي استمرت 74 يوماً، وأسفرت عن مقتل 655 جندياً أرجنتينياً و255 بريطانياً، وانتهت بتثبيت السيطرة البريطانية.
ويرى المحللون أن هذه الخسارة العسكرية لا تزال تمثل جرحاً غائراً في الوجدان الأرجنتيني، حيث تقول لويز كلير، المحاضرة في السياسة البريطانية بجامعة مانشستر: هذا الفوز الرياضي يعيد إشعال الجمر المشتعل منذ 45 عاماً، وهو أمر سيبقى جوهرياً في الهوية الوطنية الأرجنتينية.
في المقابل، أكد وزير الخارجية الأرجنتيني، بابلو كويرنو، في مقال بصحيفة لا ناسيان أن مطالبة الأرجنتين بالجزر تستند إلى أسس قانونية وتاريخية، واصفاً الاحتلال البريطاني بغير الشرعي. ورد المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأن موقف لندن ثابت: سكان جزر فوكلاند بريطانيون ولهم الحق في تقرير مستقبلهم.
وقد أضفى دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الأزمة بعداً جديداً، حيث أشارت تقارير إلى احتمال مراجعة الولايات المتحدة لموقفها تجاه الجزر كجزء من ضغوط سياسية على بريطانيا، وهو ما دفع الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي للقول إن بلاده تحرز تقدماً غير مسبوق في هذا الملف.
يُذكر أن استفتاءً أجري عام 2013 في الجزر أظهر أن 99.8% من السكان يفضلون البقاء كإقليم بريطاني ما وراء البحار، وهو ما يضع القضية في حالة من الجمود السياسي المستمر بين الرمزيّة الوطنية والحقائق الواقعية على الأرض.