
لم يكن الصومال، وهو يستقبل نبأ وفاة الأمير الوالد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يودع قائداً لدولة شقيقة فحسب، بل كان يستحضر صفحة مضيئة من تاريخه الحديث، ارتبطت باسم زعيم آمن بمقدرات الشعب الصومالي وقدرته على النهوض في وقت انصرف فيه الكثيرون عن مد يد العون له.
لقد جمع التاريخ والجغرافيا وأواصر العروبة والإسلام بين الشعبين القطري والصومالي، إلا أن الأمير الوالد منح هذه العلاقة بعداً حضارياً وإنسانياً، لترتقي إلى شراكة حقيقية قامت على الوفاء والثقة والإيمان بالمستقبل. إن مواقف القادة لا تُفهم بمعزل عن الظروف التي تشكلت فيها؛ حيث جاء إرث الأمير الوالد في الصومال في مرحلة تاريخية دقيقة أعقبت نهاية الحرب الباردة، حين واجه الصومال أعقد أزماته مع انهيار مؤسسات الدولة عام 1991.
إن الحديث عن إرث الأمير الوالد في الصومال يرتبط بمرحلة تاريخية دقيقة أعقبت نهاية الحرب الباردة حين تغيرت موازين النظام الدولي، ووجدت دول كثيرة نفسها أمام واقع جديد لم تكن مهيأة للتعامل معه.
لم يكن الاهتمام القطري بالصومال استجابة إنسانية عابرة، بل كان تعبيراً عن رؤية انطلقت من الثقة بأن هذا البلد يمتلك مقومات بشرية وتاريخية تؤهله لاستعادة مكانته. وقد تجسدت هذه الرؤية في مشاريع تنموية واسعة شملت:
على الصعيد السياسي، دعمت دولة قطر جهود المصالحة الوطنية وساندت الحكومات الصومالية المتعاقبة في إعادة بناء مؤسسات الدولة. وقد أدرك الأمير الوالد أن معاناة الشعوب لا تنتهي إذا بقيت حبيسة حدودها، فدعم الدور الإعلامي والبحثي لتسليط الضوء على القضية الصومالية دولياً.
لقد رحل الأمير الوالد، لكن أعماله ستظل شاهدة على عطائه؛ في مدرسة يتعلم فيها طفل، وفي طريق يربط بين المدن، وفي مؤسسة تسهم في تعزيز استقرار الدولة ونمو المجتمع.
لقد تحولت العلاقات القطرية-الصومالية عبر العقود من مرحلة الاستجابة للأزمات إلى شراكة إستراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل، وهي المسيرة التي تتواصل اليوم في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، حفظه الله ورعاه.
سيبقى الأمير الوالد حاضراً في وجدان الصوماليين؛ ليس فقط بما قدمه من مشاريع ملموسة، بل بما غرسه من ثقة وأمل في نفوس شعبٍ رأى في قطر شقيقاً وقف بجانبه في أحلك الظروف، ليؤكد أن عظمة الأمم تقاس بما تقدمه للآخرين في أوقات الشدة.