
قد تبدو صرخات الفرح أو نوبات الغضب أثناء مشاهدة المباريات مجرد تعبيرات عاطفية عابرة، لكن الواقع الطبي يشير إلى أن أجسادنا تخوض معارك بيولوجية حقيقية تتزامن مع أحداث المباراة. يوضح الدكتور مات باتلر، أخصائي الطب النفسي والعصبي في كلية لندن الملكية، أن العقل والجسم يستجيبان للمنافسات الكروية وكأننا مشاركون فعليون في الملعب، نتيجة ظاهرة نفسية تُعرف بـ اندماج الهوية.
لا تتوقف الآثار عند حدود الشعور النفسي، بل تمتد لتشكل خطراً جسدياً ملموساً. يذكر التاريخ واقعة شهيرة خلال كأس العالم 2014، حيث أُصيب مشجع تشيلي بأزمة قلبية إثر إهدار منتخب بلاده لضربة جزاء، بينما عانت زوجته من متلازمة القلب المنكسر (اعتلال عضلة القلب) الناجمة عن التوتر الحاد.
وتؤكد الدراسات أن هذه الحالات ليست استثنائية؛ إذ رصدت أبحاث إسبانية ارتفاعاً بنسبة 30 بالمئة في معدلات النوبات القلبية التي تستدعي النقل للمستشفى خلال أيام المباريات، لا سيما بين الرجال الذين يعانون أصلاً من مشكلات قلبية، وتزداد حدة الخطر في الأيام التي يتلقى فيها الفريق المفضل الهزيمة.
كشفت تجارب علمية أجريت خلال نهائي كأس العالم 2010 أن مستويات هرمون الكورتيسول لدى المشجعين تتجاوز المعدلات الطبيعية بمراحل، وهي مستويات تبلغ ذروتها لدى الشباب والمشجعين الأكثر حماساً.
بالتوازي، تُفعل المباراة استجابة الكر أو الفر في الجسم، مما يؤدي إلى تدفق هرمون الأدرينالين الذي يتسبب في:
واللافت أن تأثير التشجيع يمتد زمنياً؛ حيث أظهرت دراسة تابعت مشجعي المنتخب الألماني أن مستويات التوتر لديهم تبدأ في التصاعد قبل 12 ساعة كاملة من صافرة البداية.
إلى جانب التوتر، تؤثر المنافسات على التوازن الهرموني، حيث لوحظ ارتفاع في مستويات التيستوستيرون لدى المشجعين نتيجة التعرض للمواقف التنافسية. كما كشفت دراسات مرتبطة ببطولة الأمم الأوروبية 2024 عن ارتفاع النشاط الجنسي للمشجعين بنسبة 27 بالمئة في حال فوز منتخباتهم، وهو ما يفسر تقلبات الإحصاءات الحيوية بعد البطولات الكبرى.
يؤكد الدكتور باتلر أن هذه التأثيرات لا تقتصر على كرة القدم، بل تشمل رياضات أخرى كالرغبي وكرة السلة، إلا أن ندرة الأهداف في كرة القدم تجعل من اللحظة الواحدة مصدراً لسعادة غامرة أو صدمة مدوية. ومع ذلك، يختتم باتلر حديثه برسالة طمأنة: بالرغم من زيادة احتمالات المشكلات القلبية، إلا أن فرصة حدوث ذلك تظل ضئيلة جداً بالنسبة للغالبية العظمى من الأصحاء.