
طهران – تعيش العاصمة الإيرانية حالة من الترقب والقلق مع اتساع رقعة انقطاع التيار الكهربائي، حيث تحولت الممرات المظلمة والمرافق المعطلة إلى واقع يومي يفرض نفسه على حياة المواطنين، في وقت تتضافر فيه تبعات الحرب مع موجة حر قياسية لتزيد من تعقيد المشهد.
داخل قطارات الأنفاق في طهران، يتابع الطلاب والمارة بأسى مقاطع فيديو تظهر معاناة أصحاب المهن الصغيرة، مثل بائع آيس كريم فقد كامل بضاعته التي تزن 180 كيلوغراماً بسبب توقف أجهزة التبريد. هذه الحادثة ليست استثناءً، فقد أدت الانقطاعات المتكررة إلى خروج خوادم الجامعات عن الخدمة، مما تسبب في تأجيل عشرات الامتحانات النهائية.
يعبر كامران، الطالب في جامعة شريف للتكنولوجيا، عن إحباطه قائلاً: لقد دمرت الانقطاعات كافة خططنا الدراسية، لا أحد يضمن استمرار التيار، مما يفقدنا الرغبة في الاستعداد لأي اختبار. ومن جانبه، يرى معين (24 عاماً) أن الأزمة تتجاوز الجانب الأكاديمي، مشيراً إلى المخاطر التي تهدد حياة المرضى الذين يعتمدون على أجهزة التنفس الاصطناعي أو من يحتاجون لتخزين أدوية حساسة في ظروف تبريد خاصة.
تأتي هذه الأزمة لتكذب التوقعات الرسمية؛ فقبل اندلاع الحرب مع إسرائيل في فبراير، وعد الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الطاقة عباس علي آبادي بصيف خالٍ من اضطرابات الكهرباء. إلا أن تلك الوعود تلاشت مع اشتداد الضربات العسكرية الأمريكية التي استهدفت البنية التحتية للطاقة، مما حول الانقطاعات العشوائية إلى واقع يومي.
وأكد محمد الله داد، الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية للكهرباء، حجم الخسائر، مشيراً إلى انخفاض في قدرة الشبكة بمقدار 4200 ميغاواط وتضرر أكثر من 2000 نقطة في الشبكة الوطنية. وقد شملت الأضرار محطات طاقة في جزيرة كيش وشبكات توزيع حيوية في بندر عباس وجاسك وتشابهار.
يوضح بهمن أرمان، أستاذ الاقتصاد بجامعة طهران، مفارقة غريبة في استهلاك الطاقة؛ فبينما توقفت كبرى الشركات الصناعية مثل مبارك للصلب وخوزستان للصلب عن سحب الطاقة بعد تعرضها للضربات الجوية، كان من المفترض أن يوفر ذلك 2000 ميغاواط للشبكة. إلا أن مجمع ماهشهر للبتروكيماويات، الذي كان يعد مصدراً للفائض، تعرض هو الآخر للقصف، ليتحول من مزود إلى مستهلك يعتمد على الشبكة الوطنية، مما فاقم العجز.
يرى الخبراء أن الحرب لم تكن سوى القشة التي قصمت ظهر البعير. ويضيف أرمان: جذر الأزمة يكمن في نقص الاستثمار المزمن، وفقدان الطاقة الهائل في الشبكة، وتهالك خطوط النقل، وعدم بناء محطات جديدة. موجة الحر لم تفعل سوى كشف هذا العجز المستتر.
تتجه الأنظار الآن نحو القطاع الصناعي الذي يواجه انقطاعات تتراوح بين 4 إلى 6 ساعات يومياً. ويحذر حسين سلاح ورزي، الرئيس السابق لغرفة التجارة الإيرانية، من أن هذه القيود ستؤدي إلى تراجع حاد في الإنتاج وارتفاع التكاليف، مما يهدد بتعطيل صادرات البلاد غير النفطية، في وقت يلوح فيه شبح نقص الغاز في الشتاء كتهديد قادم لا يقل خطورة عن أزمة الصيف.