
لم يعد استخدام الإنترنت يقتصر على مجرد التصفح والبحث اليدوي كما كان في بداياته؛ فقد شهد المشهد الرقمي تحولاً جذرياً انتقل بنا من عصر اقتصاد الانتباه، حيث كانت المنصات تتنافس على إبقائنا أطول فترة ممكنة أمام الشاشات، إلى حقبة جديدة يطلق عليها الخبراء اقتصاد التفويض.
في هذا النموذج الجديد، لا تكتفي شركات التكنولوجيا بجذب أنظارنا، بل تسعى لتصبح الوكيل الذي يدير تفاصيل حياتنا الرقمية، من قراءة الرسائل وتنظيم المواعيد وصولاً إلى إتمام عمليات التسوق نيابة عنا. ولم يعد الهدف أن يجيب الذكاء الاصطناعي عن سؤال، بل أن يتحول إلى الواجهة الرئيسية التي يبدأ منها المستخدم يومه الرقمي.
يرى حسام الدين الأسود، الرئيس التنفيذي لشركة ناشيونال كوانتوم، أن التحول الحالي يمثل انتقالاً جوهرياً في نموذج الأعمال. فبينما كانت الشركات سابقاً تراهن على زيادة زمن المشاهدة لرفع عوائد الإعلانات، أصبح الرهان اليوم على الثقة وإنجاز المهام بكفاءة.
ويوضح الأسود أن الوكيل الذكي، خاصة إذا اندمج بعمق مع نظام التشغيل، سيصبح البوابة الوحيدة لتفاعلات المستخدم مع العالم الرقمي. هذا يعني أن الشركات المتخصصة في المتاجر الإلكترونية أو الخدمات الرقمية قد تتحول تدريجياً إلى مجرد بنية تحتية تعمل في الخلفية، بينما تتركز السلطة الفعلية في يد الجهة التي تسيطر على الوكيل الذكي الذي يتخذ القرارات نيابة عن المستهلك.
مع هذا الاعتماد المتزايد، برز مفهوم السيادة الرقمية كركيزة أساسية. فالوكيل الذكي يحتاج إلى صلاحيات واسعة للوصول إلى بيانات حساسة، مما يثير تساؤلات حول من يملك هذه البيانات ومن يتحكم في قرارات الخوارزميات. ولم تعد الحوكمة والأمن السيبراني مجرد متطلبات تقنية، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من النموذج الاقتصادي للشركات.
تكمن المعضلة الكبرى في الارتهان الرقمي؛ فكلما تراكمت بيانات المستخدم وتفضيلاته داخل منظومة واحدة، أصبح من الصعب عليه الانتقال إلى مزود آخر. ولتجنب هذا الخطر، يؤكد الخبراء على ضرورة:
في الختام، يبدو أن المنافسة في العقد القادم لن تحسم بمن يطور النموذج الأكثر قدرة فحسب، بل بمن ينجح في أن يصبح الوسيط الموثوق الذي يمنح المستخدم الكفاءة دون المساس باستقلاليته الرقمية.