
في ظل تزايد التحديات العالمية وتدفق المعلومات المضللة، برز تساؤل جوهري حول علاقة الجماهير بالمنظومة العلمية. ورغم أن دورية نيتشر العالمية أكدت في عددها الأخير أن ثقة الجمهور في العلم لم تنهَر، إلا أنها أشارت إلى وجود فجوات تواصلية تستوجب المعالجة الفورية.

يرى الدكتور محمد ثروت حسن، أستاذ الفيزياء في جامعة أريزونا، أن الثقة في العلم ترتبط طردياً بمستوى التعليم في المجتمعات. ويوضح أن العلم ليس عصا سحرية لحل كل المعضلات، بل هو مسار استراتيجي يتطلب تمويلاً موجهاً نحو حل مشكلات واقعية كالجفاف والطاقة.
ويضيف حسن: إن تقدم الأمم تاريخياً كان دائماً مصاحباً لتقدمها العلمي، كما نرى في النموذج الصيني الحالي. لكن التحدي يكمن في وجود مدعي العلم الذين يروجون للخرافات، مما يضع العلماء في موضع المساءلة. لذا، يجب أن يتجاوز دور العلماء أسوار المعامل ليتواصلوا بفعالية مع الجمهور، موضحين أن العلم رحلة قائمة على الدليل المتجدد، وليس حقائق ثابتة لا تقبل المراجعة.

من جانبه، يشير الدكتور وائل الدليمي، أستاذ الصحة العامة في جامعة كاليفورنيا ورئيس مجلس إدارة جمعية النهوض بالعلوم والتكنولوجيا في العالم العربي، إلى أن الجماهير العربية تمتلك ثقة فطرية في العلم، لكنها تصطدم بحاجز غياب التواصل.
يقول الدليمي: يفتقر العديد من العلماء العرب لمهارات ترجمة النتائج البحثية إلى تطبيقات عملية مفهومة للجمهور. لقد أدت منصات التواصل الاجتماعي إلى تفاقم الأزمة، حيث انتشرت نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة، كما شهدنا خلال جائحة كوفيد-19. الحل يكمن في إدراج مناهج تدريبية للباحثين حول كيفية التعامل مع الإعلام والجمهور منذ مراحل دراستهم الأولى.

تشير الدراسات الحديثة، بما في ذلك استطلاع أجرته شركة إيبسوس عام 2024 شمل 23 ألف شخص في 32 دولة، إلى أن 56% من المشاركين يثقون بالعلماء. وفي دراسة أوسع شملت 68 دولة، سجلت مصر أعلى مستويات الثقة عالمياً في العلماء، تلتها الهند ونيجيريا.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من تسييس العلم، حيث يؤكد مارك هندرسون، مدير الشؤون المؤسسية في مؤسسة ويلكوم، أن المبالغة في تقدير الدعم الشعبي أو تبني مواقف سياسية منحازة من قبل العلماء قد يؤدي إلى ظهورهم بمظهر المتعالي، مما يقوض جسور الثقة التي استغرق بناؤها عقوداً طويلة.