
لم يعد تهديد جماعة الحوثي بقطع الملاحة السعودية في البحر الأحمر مجرد مسرحية ثورية، بل بات يُنظر إليه كمحاولة إيرانية مكشوفة لاختبار حدود الصبر الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية عبر أحد أبرز أذرعها الإقليمية. هذا الرهان المحفوف بالمخاطر يأتي في وقت سعت فيه الرياض على مدى عقد كامل لتجنب حرب إقليمية واسعة، مفضلةً التركيز على تحولها الاقتصادي التاريخي.
تدرك طهران أن عجزها عن منافسة المسار التنموي السعودي دفعها نحو حرب الوكالة والضغط البحري. من خلال التهديد في مضيق هرمز وباب المندب، تسعى إيران لزعزعة ثقة المستثمرين ورفع تكاليف الاستقرار في أكبر اقتصاد بالشرق الأوسط، مستغلةً مكانة المملكة كأكبر مصدر للنفط في العالم.
تستند الحسابات الإيرانية إلى افتراضات قديمة حول القدرات العسكرية السعودية. الواقع الميداني يظهر أن قيادة القوات المشتركة السعودية تطورت بشكل جذري، حيث تحولت إلى قوة متكاملة تعتمد على:
أثبتت العمليات الأخيرة، بما في ذلك تأمين جنوب اليمن والتصدي للهجمات الصاروخية والدرونز، أن الرياض تمتلك اليوم بنية قرار قادرة على ضغط الوقت بين الرصد والرد. هذا التطور العسكري هو ما دفع طهران سابقاً نحو الحذر الدبلوماسي، بعد أن أدركت أن المملكة دخلت مرحلة جديدة من النضج العملياتي.
إن استمرار الاستفزازات الحوثية يرفع احتمالية رد سعودي شامل لا يقتصر على تحييد منصات الإطلاق، بل يستهدف تفكيك شبكات القيادة والسيطرة واللوجستيات التي تمكّن هذه الجماعة من تهديد الممرات المائية.
تؤكد المعطيات الحالية أن الحوثيين لا يختبرون القدرة العسكرية السعودية -التي أثبتتها سنوات من التكيف الميداني- بل يختبرون الصبر الاستراتيجي. ومع ذلك، يظل التاريخ شاهداً على أن هذا الصبر له حدود؛ فإذا قررت الرياض أن تكلفة ضبط النفس باتت أعلى من تكلفة العمل الحاسم، فإن المشهد الإقليمي سيشهد تحولاً جذرياً يختلف كلياً عن معطيات العقد الماضي، وهو ما قد يجعل طهران وحلفاءها يندمون على تجاوز هذه الخطوط الحمراء.