
في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان، تتجسد مأساة النزوح في أبهى صورها؛ حيث احتشدت عائلات على مداخل البلدة، بانتظار إشارة من الجيش اللبناني للعودة إلى منازلهم التي هجروها قسراً. تأتي هذه التحركات في إطار تنفيذ اتفاق الإطار الذي رعته الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، والذي يقضي بانسحاب إسرائيلي تدريجي ونشر الجيش اللبناني لمنع عودة وجود حزب الله في المنطقة.
لكن العودة ليست ميسرة كما كان يأمل الأهالي. فقد فرض الجيش طوقاً أمنياً مشدداً بانتظار قيام الفرق الهندسية بمسح المنطقة من الألغام والقذائف غير المنفجرة. وقد تجلت خطورة الوضع بإصابة مسعفين من الصليب الأحمر بجروح جراء انفجار لغم أرضي أثناء تأديتهم لمهامهم، مما زاد من حالة الترقب والقلق لدى العائلات التي قضت ساعات طويلة، وأحياناً ليلة كاملة، تحت حر الشمس بانتظار السماح لهم بالدخول.
في اليوم التالي، زار رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام البلدة، حيث غرس العلم اللبناني قرب مبنى مدمر، معتبراً ذلك خطوة أولى نحو استعادة السيادة الكاملة. وأكد سلام أن الحكومة ماضية في جهودها الدبلوماسية لضمان انسحاب إسرائيلي كامل من كافة الأراضي اللبنانية.
غير أن هذه الزيارة قوبلت بتشكيك واسع من قبل الأهالي. يتساءل الكثيرون عن الضمانات الحقيقية في ظل استمرار الاحتلال لعشرات القرى الأخرى، وعدم ثقة السكان في نوايا الجانب الإسرائيلي الذي يربط الانسحاب بمدى التزام الجيش اللبناني بفرض سيطرته ومنع عودة المظاهر المسلحة.
يأتي هذا الاتفاق في ظل انقسام مجتمعي عميق؛ فبينما يراه الرئيس جوزيف عون الخيار الأفضل المتاح نظراً لموازين القوى الراهنة، يعتبره مؤيدو حزب الله شكلاً من أشكال الاستسلام، مشددين على أن الحل يكمن في المقاومة وليس في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
تظل الأنظار معلقة على أداء الجيش اللبناني، الذي يواجه تحدياً مزدوجاً؛ فهو مطالب من المجتمع الدولي بتنفيذ بنود الاتفاق، بينما يواجه واقعاً ميدانياً معقداً وتاريخاً من غياب الدولة عن الجنوب، مما يجعل استعادة الثقة بين المواطن والدولة مهمة بالغة الصعوبة.