
شكل رحيل الأكاديمي والمفكر البارز جون إسبوزيتو في 15 يوليو/تموز 2026 خسارة فادحة لأحد أهم الأصوات العلمية التي كرست أكثر من 5 عقود من حياتها لدراسة العلاقة المعقدة بين الإسلام والغرب، وتحديداً في الخيال السياسي الأمريكي.
لم يكن إسبوزيتو مجرد باحث في تاريخ الأديان، بل تحول إلى بوصلة فكرية واجهت موجات التنميط والتحريض، حيث دفعته السياسة مراراً إلى قلب النقاشات الأكثر إثارة للجدل، من الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن، وصولاً إلى هجمات 11 سبتمبر/أيلول وصعود الإسلاموفوبيا في السياسة الأمريكية.
تغير مساره الفكري بشكل جذري خلال سبعينيات القرن الماضي، متأثرا بلقاءاته مع علماء مسلمين -ولا سيما إسماعيل راجي الفاروقي- وبالاعتراف المتزايد بأن الإسلام كان في طريقه ليصبح أحد أقل الأديان فهما، لكنه في الوقت نفسه ذو تأثير متزايد في الشؤون العالمية.
بدأ إسبوزيتو مسيرته كمتخصص في تاريخ الأديان، لكن لقاءاته الفكرية في السبعينيات دفعته لإدراك أن الإسلام لا يمكن التعامل معه كموضوع هامشي أو أثر تاريخي. سعى إسبوزيتو إلى فهم المسلمين كفاعلين في الحياة السياسية والاجتماعية الحديثة، مؤكداً أن الإسلام تقليد حي متنوع يستجيب لقوى العولمة والحداثة تماماً كما تفعل أي جماعة دينية أخرى.
في عام 1992، أصدر إسبوزيتو كتابه الجوهري التهديد الإسلامي: أسطورة أم حقيقة؟، الذي جاء رداً على محاولات تصوير الإسلام كخصم جيوسياسي بديل للشيوعية بعد الحرب الباردة. جادل إسبوزيتو بأن الخطر الحقيقي يكمن في معاملة 1.5 مليار مسلم ككتلة سياسية صماء، مشدداً على أن الإسلام يضم تنوعاً هائلاً من التوجهات السياسية والفكرية.
أحدثت الثورة الإيرانية عام 1979 تغييرا جذريا في تصورات الأمريكيين عن الإسلام، فقد أدت صور آية الله الخميني، والاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران، وأزمة الرهائن التي طال أمدها، إلى ربط الإسلام بالتطرف السياسي في المخيلة العامة الأمريكية.
وعلى النقيض من أطروحة صامويل هنتنغتون حول صراع الحضارات، ظل إسبوزيتو طوال ربع قرن يفكك الروايات التي تحجب الحقائق التاريخية والسياسية خلف شعارات دينية مختزلة.
بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، اتخذ إسبوزيتو موقفاً شجاعاً بالانخراط المباشر في الفضاء العام، فأسس مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم بين المسلمين والمسيحيين بجامعة جورج تاون، وقدم أبحاثه كخدمة عامة تهدف إلى استبدال الخوف بالمعرفة.
بينما اكتسبت أطروحة هنتنغتون تأثيرا ملحوظا بين صانعي السياسات والمعلقين، لا سيما بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، أمضى إسبوزيتو معظم ربع القرن التالي في توضيح الأسباب التي تجعل مثل هذه الروايات الحضارية الشاملة تحجب الحقائق أكثر مما تفسرها.
لقد كسب احترام المسلمين في العالم ليس لأنه دافع عنهم دون نقد، بل لأنه عاملهم كبشر كاملين، ورفض اختزالهم في مشتبه بهم أو صور نمطية. لقد منح إسبوزيتو الطلاب المسلمين والجمهور العام مساحة لفهم أنفسهم كجزء أصيل من التعددية الإنسانية، وليس كمشاكل أمنية.
بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، أعطت كتبه العديد من الطلاب المسلمين تجربة مطمئنة، حيث رأوا أنفسهم موصوفين ليس كمشاكل يجب حلها ولا كصور نمطية يجب الخوف منها، بل كمشاركين في القصة المعقدة والمتطورة للتعددية الأمريكية.
إن رحيل إسبوزيتو يمثل خسارة لضمير فكري كان يذكر أمريكا باستمرار بأن الديمقراطية لا تزدهر إذا سمحت للروايات السياسية بأن تطغى على الحقيقة التاريخية، وأن البحث العلمي الحقيقي هو الذي يجعل الخلاف أكثر صدقاً وإنسانية.