
في خيام النزوح بقطاع غزة، تحولت الثلاجات -التي كانت يوماً رمزاً للحياة الطبيعية- إلى مجرد هياكل معدنية صامتة، أو خزائن لحفظ المعلبات والأدوات البسيطة، في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر الناتج عن الحصار الإسرائيلي الخانق.
بالنسبة لملاك الزعانين، وهي أم لأربعة أطفال، لم تعد الثلاجة تحفظ الطعام من التلف في حرارة الصيف اللاهبة داخل الخيمة التي تشبه الفرن. تقول ملاك: أقوم بتحويل الثلاجة إلى طاولة ورفوف لتخزين صناديق المساعدات والأدوات المنزلية، فالتبريد أصبح حلماً بعيد المنال.
لا تقتصر المأساة على فساد الطعام فحسب، بل تمتد لتشمل المخاطر الصحية المحدقة بالنازحين. تحذر وكالات الأمم المتحدة من أن غياب التبريد يرفع معدلات الإصابة بالأمراض المنقولة عبر الغذاء، خاصة في ظل تكدس الخيام وضعف الصرف الصحي الذي يجذب الحشرات والقوارض.
منال حمد، البالغة من العمر 43 عاماً، تعاني من أمراض مزمنة تتطلب أدوية يجب حفظها في درجات حرارة منخفضة. تقول منال: شرب الماء البارد أصبح حلماً. عندما أشرب الماء الساخن من الخزانات، أشعر وكأن قلبي يغلي، وتتأثر صحتي فوراً. وتضطر منال أحياناً لدفع مبالغ مالية لأشخاص يمتلكون مولدات كهربائية لتبريد دوائها أو طعامها، لكنها في كثير من الأحيان تجد أن الطعام قد فسد رغم دفع التكاليف.
في الجانب الآخر، فرضت الحاجة واقعاً اقتصادياً جديداً؛ حيث حول البعض أجهزة التجميد (الفريزر) إلى مشاريع تجارية صغيرة لتوفير خدمات تبريد المياه وشحن الهواتف للنازحين. محمد الزعانين، الذي فقد عمله كسائق، يدير مشروع بقاء يعتمد على مولد ديزل لتشغيل فريزر صغير.
رغم التكاليف الباهظة للوقود والكهرباء، إلا أن الإقبال على خدماته يعكس حجم المعاناة. يقول محمد: يأتي الناس إليّ ليطلبوا تبريد زجاجة ماء أو حبة مانجو واحدة. لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحصول على كوب ماء بارد رفاهية لا يقدر عليها الجميع.
بينما يحاول نضال رافع، من حي الزيتون، التأقلم مع الواقع عبر طبخ وجبات يومية صغيرة لتجنب الفائض الذي سيفسد حتماً، تظل الحقيقة المرة أن أبسط مقومات الحياة -التي كانت يوماً من المسلمات- باتت اليوم تحدياً وجودياً يواجهه آلاف العائلات في قطاع غزة.