
لعقود طويلة، ظل التاريخ الليبيري حبيس أصوات الشيوخ، ينتقل عبر الحكايات في المجالس العائلية والمناسبات الاجتماعية. واليوم، بدأت هذه القصص تشق طريقها نحو منصات رقمية مثل تيك توك وفيسبوك ويوتيوب، لتبدأ فصلاً جديداً من التوثيق الثقافي.
على عكس العديد من دول غرب أفريقيا التي امتلكت تقاليد الجريوت (رواة التاريخ الشفوي المحترفين)، اعتمدت ليبيريا على شيوخ القبائل والمجتمعات كحفظة للذاكرة والتراث. ومع ذلك، واجه هذا التقليد تحديات جسيمة، خاصة مع الاضطرابات التي خلفتها الحروب الأهلية بين عامي 1989 و2003، والتي أدت إلى نزوح مئات الآلاف وانقطاع سلاسل نقل المعرفة التاريخية.
تعد بيلفينا ديكونتي ياهوون، مؤسسة مشروع أرشيف ليبيريا (Archive Liberia)، من أبرز الأصوات الشابة التي تقود جهود استعادة التاريخ. تقول ياهوون: لم أخطط في البداية لتوثيق قصص ليبيريا، بل كنت أبحث عن قصتي الشخصية، لأكتشف أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الحرب والهجرة وما قبل القرن التاسع عشر. أدركت حينها أنني جزء من نسيج قصصي واسع يتطلب البحث والتوثيق.
ترى زوليخا داودا، المسؤولة في مركز الحلول المتكاملة، أن الانتقال إلى الفضاء الرقمي ليس فقداناً للهوية، بل هو تطور طبيعي. وتضيف: الثقافة لا يجب أن تتجمد. الشباب الليبيري اليوم يستهلكون الثقافة بطرق مختلفة؛ فبدلاً من التجمع حول كوخ الحوار (Palava hut) التقليدي، أصبح التجمع يتم عبر تيك توك وبودكاست ومنصات التواصل الاجتماعي.
تتيح هذه المنصات للشباب الليبيري ليس فقط توثيق التقاليد العائلية، بل وأيضاً تحدي السرديات التاريخية التي فُرضت من الخارج، وإعادة قراءة تاريخ البلاد من منظور وطني ومناهض للاستعمار.
رغم الحماس الرقمي، تواجه هذه الحركة تحديات بنيوية، أهمها:
وفي هذا السياق، يؤكد المؤرخ الليبيري باتريك بورو أن وسائل التواصل الاجتماعي هي عالم جديد وشجاع، لكن المستخدمين الأفراد لا يتلقون تدريباً على التمييز بين الحقيقة والزيف، وغالباً ما تُستخدم المنصات لجمع المتابعين دون اعتبار للمسؤولية التاريخية.
تتفق الأصوات الرائدة في ليبيريا على أن الحل لا يكمن في منع الشباب من استخدام التكنولوجيا، بل في تمكينهم من سرد قصص أفضل. وتختتم داودا قائلة: الصمت هو التهديد الأكبر، وليس الحوار. جيلنا لا يرث التاريخ فحسب، بل هو من يصنعه ويشاركه. مستقبل التاريخ الليبيري قد لا يُكتب في الكتب المدرسية أولاً، بل قد يتم تحميله عبر الإنترنت.