
تعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً فريداً لتداخل المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية، حيث لم يتسم المشهد السياسي منذ تأسيس الدولة بانسجام تام، بل كان مسرحاً لتجاذبات مستمرة بين رؤى متباينة لإدارة الدولة ومكانتها الدولية. وفي خضم هذا المشهد، يبرز الصراع بين الجناحين العسكري والمدني بوصفه نزاعاً جوهرياً على تعريف هوية الدولة وتحديد بوصلتها الإستراتيجية.
يمثل التيار المدني في إيران مزيجاً من التكنوقراط والسياسيين الإصلاحيين والقوى الوسطية. وتتمحور رؤية هذا التيار حول البراغماتية السياسية، حيث يؤمنون بأن ديمومة النظام تتطلب استقراراً اقتصادياً لا يتحقق إلا عبر انفتاح مدروس على العالم، وتحسين العلاقات مع الغرب، والحد من هيمنة المؤسسات الأمنية.
ويرى هذا الجناح أن الدبلوماسية والقوة الناعمة هما الأداة المثلى لتجاوز طوق العقوبات، مما يمنح النظام شرعية داخلية وأريحية اقتصادية تدرأ مخاطر الانفجار الاجتماعي.
في المقابل، يجسد الجناح العسكري -وعلى رأسه الحرس الثوري- الرؤية الأيديولوجية الصارمة، حيث لا ينظر إلى نفسه كأداة دفاعية فحسب، بل كشريك أصيل في صنع القرار السياسي والاقتصادي. يرى هذا التيار أن التفاوض مع الغرب فخ يستهدف تقويض هيبة الثورة، وأن التمدد الإقليمي ودعم محور المقاومة هما الضمانة الوحيدة لصون النظام.
وقد أحكم هذا الجناح قبضته على مفاصل الاقتصاد الإيراني عبر شركات كبرى، مما جعل مصالحهم الاقتصادية مرهونة باستمرار حالة التوتر، إذ إن أي استقرار قد يفرض رقابة مالية تقوض نفوذهم.
يتجاوز التقابل بين التيارين مجرد التباين في وجهات النظر، ليرقى إلى صراع بنيوي يتجلى في ملفات إستراتيجية:
السبيل الأوحد لضمان استدامة الدولة يكمن في الاحتكام لـسيادة القانون، وتفعيل أدوار المؤسسات المدنية، مع إعادة المؤسسة العسكرية إلى ثكناتها ودورها الدفاعي، بمنأى عن دهاليز السياسة والاقتصاد.
إن التقابل بين هذين التيارين في إيران يتجاوز مجرد التباين في وجهات النظر، ليرقى إلى صراع بنيوي تتجلى معالمه في عدة ملفات إستراتيجية، حيث تتحرك كل جهة وفق منطق مغاير تماماً.
خلال العقد المنصرم، رجحت كفة الجناح العسكري بفضل سيطرته على أجهزة الضبط، وتحالفه مع التيار المتشدد في الحوزة الدينية، وتوظيف التهديدات الخارجية كغطاء لشرعنة وجوده. هذا الصراع أفضى إلى شلل إستراتيجي يعمق الهوة بين النظام والشعب، لا سيما الجيل الصاعد.
إن استمرار تهميش الجناح المدني يعني فقدان صمام الأمان للنظام، حيث إن هيمنة الجناح العسكري وإن كفلت استقراراً آنياً، فإنها تزيد من عزلة طهران الدولية وتفاقم الأزمات الداخلية، مما يجعل من التحول الجذري نحو دولة المؤسسات ضرورة وجودية لا مفر منها لتجنب هزات سياسية واجتماعية عاصفة.