
بينما كانت تحديات انقطاع الكهرباء وتداعياتها تثقل كاهل الحياة اليومية في ليبيا، شهدت أروقة قصر الخلد في طرابلس حراكاً ثقافياً لافتاً، حيث تحولت المكان إلى منصة تضيء بجماليات الفن التشكيلي وأنغام المالوف، في محاولة جادة لاستعادة وجه المدينة الثقافي بعد سنوات من الانقسام.
شهد شهر يوليو/تموز 2026 حراكاً فنياً بارزاً عبر تنظيم المعرض الوطني للفنون التشكيلية «رؤى معاصرة»، الذي استضاف 91 فناناً وفنانة من مختلف المدن الليبية. المعرض الذي استمر ثمانية أيام، قدم تنوعاً فنياً شمل المدارس الواقعية والتجريدية، وسط حضور جماهيري كثيف عكس شغف المجتمع بالفن.
وأكدت الفنانة التشكيلية نعيمة الشاوش أن الحراك الفني الأخير يمثل مفاجأة جميلة، مشيرة إلى أن المشهد التشكيلي الليبي شهد تغيراً ملحوظاً في طبيعة الأعمال وفي نظرة المجتمع التي أصبحت أكثر تشجيعاً للمواهب. وأضافت الشاوش: التحدي الأبرز اليوم يتمثل في محدودية منصات العرض، لذا فإن استمرار المعارض يعد عاملاً أساسياً لدعم الفنانين.
بالتوازي مع المعرض، انطلقت الدورة الثالثة عشرة من مهرجان طرابلس الدولي للمالوف والموشحات بمشاركة أكثر من 20 فرقة ليبية، إلى جانب مشاركات مغاربية. وتضمن المهرجان هذا العام مسابقة لفن المالوف التقليدي، وندوات علمية لتوثيق جذور هذا الفن الأندلسي.
وأوضح عبد الباسط بوقندة، رئيس الهيئة العامة للسينما والفنون والمسرح، أن استمرار المهرجان للعام الثاني على التوالي يؤكد تحوله إلى موعد سنوي ثابت، مضيفاً: تعمل الهيئة على تنفيذ رزنامة ثقافية متكاملة تضمن إعادة النشاط الثقافي إلى المجتمع ودعم مختلف الفنون.
يرى الموسيقي طارق سرقيوة أن الجمع بين الفنون التشكيلية والموسيقى في فضاء واحد يخلق تجربة ثقافية أكثر ثراءً، معتبراً أن ازدهار الفعاليات الثقافية مؤشر على تعافي المشهد الفني، فالجمهور الليبي لم ينقطع يوماً عن التفاعل مع الأنشطة الفنية، لكنه يحتاج إلى دعم مؤسسي مستدام.
رغم التحديات اللوجستية، يظل الإصرار على تنظيم هذه الفعاليات محاولة لفتح نافذة للأمل. فقد أثبتت التجربة الأخيرة في قصر الخلد أن الثقافة قادرة على إضاءة مساحة في الوجدان الليبي لا يصل إليها الظلام الناتج عن الأزمات، مما يؤكد أن الفن ليس ترفاً، بل حاجة إنسانية لاستعادة المجال العام.