
تتحول أمريكا اللاتينية اليوم إلى مختبر سياسي وأيديولوجي لما يمكن تسميته بـ تفوق التكنولوجيا (tech-supremacism). فمع انتقال مليارديرات وادي السيليكون، وعلى رأسهم بيتر ثيل، إلى الأرجنتين، وتأثير الترامبية الواضح على الخطاب السياسي في انتخابات المنطقة، نشهد تحولاً خطيراً يدمج بين إلغاء القيود التنظيمية للشركات الكبرى، والمراقبة البيومترية، والاصطفاف الجيوسياسي المطلق مع واشنطن.
تتبنى النخب التقليدية في المنطقة هذا المخطط اليميني المتطرف، مستغلةً شعارات القانون والنظام لتسليح التنميط العرقي، بهدف استعادة التراتبيات الاستعمارية القديمة وتقويض المكتسبات التي حققتها الحركات الاجتماعية. يظهر هذا النمط بوضوح في صعود مرشحين يتبنون خطابات أمنية متشددة، ويدفعون نحو دمج الذكاء الاصطناعي في إدارات إنفاذ القانون والأمن.
أعاد دونالد ترامب إحياء عقيدة مونرو من خلال ما يُعرف بـ ملحق ترامب، الذي يهدف إلى توسيع قائمة الحلفاء الإقليميين وتعزيز الاعتماد الهيكلي على الولايات المتحدة. الجديد في هذا النموذج هو درجة التبعية الهيكلية التي تفرضها شركات التكنولوجيا داخل جهاز الدولة نفسه، تماماً كما فعلت وزارة الدفاع الأمريكية بنقل وظائف عسكرية حيوية إلى شركة بالانتير (Palantir) التي شارك في تأسيسها بيتر ثيل وأليكس كارب.
تعد الأرجنتين اليوم المحطة التجريبية الأولى في الجنوب العالمي. فإدارة خافيير مايلي، ذات التوجهات الأناركية الرأسمالية، قدمت إطاراً تشريعياً تحفيزياً للاستثمار في الذكاء الاصطناعي (Super RIGI)، يمنح الشركات مزايا استثنائية تشمل الطاقة الرخيصة، والإعفاءات الجمركية، واستغلال الموارد الحيوية مثل المياه والأراضي لتبريد ودعم البنية التحتية لمعالجة البيانات العالمية.
ويشبه هذا الإطار التشريعي شركة الهند الشرقية الهولندية (VOC)، حيث يتم دمج القوة المؤسسية والسياسية في كيان واحد يمتلك سلطات واسعة، وهو ما يحتفي به مايلي باعتباره هدية الغرب للعالم التي تسمح للرأسمالية بتطوير إمكاناتها الكاملة.
في خطوة مثيرة للقلق، أعلنت وزارة رأس المال البشري في الأرجنتين عن إنشاء منصة التوأم الرقمي الاجتماعي (Gemelo Digital Social) لنمذجة السياسات العامة، دون تقديم تفاصيل حول الخوارزميات أو حماية البيانات. وبالتوازي مع ذلك، توسع البلاد في أدوات المراقبة البيومترية، حيث وقعت وزارة الأمن اتفاقية مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لاستخدام برنامج CODIS للبصمة الوراثية، ليشمل أي مواطن يخضع للتحقيق، وليس فقط المدانين.
إن التهديد الحقيقي للترامبية وتفوق التكنولوجيا في أمريكا اللاتينية لا يكمن في التحديث التكنولوجي، بل في تحول هذه الأدوات إلى تكنولوجيا قمع. إن خضوع النخب الإقليمية لعمالقة وادي السيليكون يمثل تنازلاً عن السيادة؛ فمن خلال خصخصة الرقابة الاجتماعية، وإنشاء قواعد بيانات بيولوجية للمواطنين، وتسليم الموارد الطبيعية لخدمة الخوادم الأجنبية، تختار هذه النخب تحويل بلدانها إلى محميات خوارزمية للحفاظ على امتيازاتها الاستعمارية.