
بينما يخطو الزوار نحو المسرح الجنوبي في مدينة جرش الأثرية، يشعر المرء وكأنه يعبر الزمن عائداً إلى قرون خلت، حيث تكسر إيقاعات الموسيقى وصخب الحضور صمت الحجارة التي شهدت ازدهار الحضارة الرومانية، لتتحول اليوم إلى مسرح مفتوح يربط التاريخ بالحاضر.
انطلق مهرجان جرش للمرة الأولى عام 1980 بمبادرة من جامعة اليرموك، ليتحول سريعاً إلى حدث وطني بارز في المملكة الأردنية. ومنذ افتتاحه الرسمي في 1981، واظب المهرجان على إقامة فعالياته صيف كل عام، باستثناء فترات توقف اضطرارية بسبب ظروف إقليمية أو صحية مثل جائحة كورونا، ليصل هذا العام إلى دورته الأربعين.
يعد المهرجان منصة ثقافية متنوعة تجمع بين الغناء، والموسيقى، والفرق الفلكلورية، والشعر، والباليه، والحرف اليدوية، مستغلاً الموقع الأثري لمدينة جراسا (جرش)، التي تعد واحدة من مدن الديكابولس الرومانية العشر.
تصف مشاعل الخصاونة، مديرة سياحة جرش السابقة، المهرجان بأنه تجربة ثقافية متكاملة. وتقول: أصبحت مسارح جرش فضاءً للفنون في التاريخ المعاصر لأنها لم تُحفظ كآثار صامتة، بل أُعيد إحياؤها لتؤدي وظيفة ثقافية جديدة، فهي جسر حي بين الماضي والحاضر.
تضم المدينة الأثرية معالم بارزة تستضيف الفعاليات، منها المسرح الجنوبي الذي بُني أواخر القرن الأول الميلادي، والمسرح الشمالي، وشارع الأعمدة التاريخي الذي يمتد لـ 800 متر، بالإضافة إلى الهيبودروم.
تتميز المسارح الرومانية في جرش بخصائص هندسية مذهلة؛ إذ صُممت لنقل الصوت بوضوح من خشبة المسرح إلى أعلى المدرجات دون الحاجة لتقنيات تكبير الصوت الحديثة. المسرح الجنوبي، الذي شُيد بين عامي 90 و92 ميلادي، يتسع لأكثر من 3 آلاف متفرج، بينما يتسم المسرح الشمالي (شُيد عام 165 ميلادي) بتصميمه نصف الدائري الذي يضمن رؤية واضحة وتفاعلاً وثيقاً بين الفنان والجمهور.
في النسخ الأخيرة من المهرجان، تم تفعيل الهيبودروم -مضمار سباق الخيل والعربات الروماني- ليصبح مسرحاً للعروض الفنية. يتجمع الجمهور هناك على أرضية رملية، تحيط بها الأقواس الحجرية الأثرية، ليحضروا عروضاً فنية في قلب ميدانٍ تاريخي بُني في القرن الثاني الميلادي.
ميدان لسباق الخيل بناه الرومان في القرن الثاني الميلادي، تحول اليوم إلى مسرح فني يتسع لـ 3 آلاف متفرج.
تتجاوز أهمية جرش حدود الأردن، فهي تنضم إلى قائمة عالمية من المدن التي تعيد إحياء مسارحها الرومانية والإغريقية، مثل قرطاج في تونس، وبعلبك في لبنان، وتيمقاد في الجزائر، ومسرح أورانج في فرنسا، لتبقى هذه المواقع شاهدة على استمرارية الإبداع البشري عبر العصور.