2026/07/31
كائنات الجحيم المجهرية: كيف تتحدى دودة الشيطان قوانين الحياة في باطن الأرض؟

لو تمكنت من الحفر تحت قدميك والنزول إلى أعماق القشرة الأرضية، فلن يمر وقت طويل قبل أن تبدأ بالشعور بعدم الارتياح. فمع اختفاء ضوء الشمس واقترابك تدريجياً من لب الكوكب المنصهر، ترتفع درجات الحرارة والضغط ارتفاعاً حاداً، فيما تملأ المياه الجوفية العميقة الشقوق والتجاويف الصخرية. وعند عمق يبلغ نحو 1.3 كيلومتر، قد يكون من المفهوم أن تعتقد أن الحياة لا يمكن أن توجد في مكان كهذا.

لكن، إن حالفك الحظ، فقد تراها: مليارات من البكتيريا، تشكل أحياناً طبقات زاهية باللونين البرتقالي أو الأبيض. وإذا نظرت عبر المجهر، فقد ترى أيضاً دودة صغيرة تستخدم زوائد دقيقة حول فمها لتسحب نفسها فوق الصخور. إنها دودة هاليسيفالوبوس ميفيستو، المعروفة باسم دودة الشيطان، التي تجوب الأعماق بحثاً عن الكائنات الدقيقة. ورغم ضآلة حجمها، إذ لا يتجاوز طولها عرض بضع شعرات بشرية، فإنها تشبه حوتاً وسط هذا النظام البيئي المتناهي الصغر.

صورة
صورة مجهرية لطرف دودة الشيطان (المصدر: Gaetan Borgonie et al., Nature, 2011)

وعندما تموت داخل الغشاء الميكروبي اللزج الذي ينمو فوق الصخور، تلتهم البكتيريا وغيرها من الكائنات الحية جسدها، لتستمر بذلك دورة حياة غريبة تشبه، في طبيعتها، الحياة التي سادت خلال حقبة الهاديان، أقدم الحقب الجيولوجية في تاريخ الأرض.

وقبل ثمانينيات القرن الماضي، كان معظم علماء الأحياء يعتقدون أن الحياة لا يمكن أن توجد على عمق يزيد على نحو 30 سنتيمتراً تحت سطح الأرض. لكن اكتشاف دودة الشيطان عام 2011 أحدث تحولاً جذرياً في فهم العلماء للحياة في أعماق الأرض. وتقول كارين لويد، عالمة الجيولوجيا الميكروبية في جامعة جنوب كاليفورنيا: إذا كان من الممكن العثور على دودة هناك في الأعماق، فما الأشياء الأخرى التي لا نزال نغفل عنها؟.

باطن الأرض: بيئة التحديات القصوى

ساور
ساور الشك العديد من العلماء بشأن إمكانية وجود الديدان الأسطوانية في أعماق القشرة الأرضية (المصدر: Gaetan Borgonie/Extreme Life Isyensya)

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان غايتان بورغوني، عالم الأحياء المتخصص في الديدان ومؤسس معهد إكستريم لايف إيسينسيا، يواجه تشكيكاً من أقرانه بشأن احتمال وجود كائنات حية معقدة في أعماق الأرض. وفي عام 2008، تعاون بورغوني مع مجموعة من الخبراء لزيارة منجم بيتركس للذهب في جنوب أفريقيا، حيث استخرجوا مياهاً محبوسة داخل الصخور تبلغ حرارتها نحو 37 درجة مئوية. وبعد تصفية أكثر من ستة آلاف لتر من المياه، نجحوا في العثور على دودة واحدة متناهية الصغر.

نوع
نوع من الديدان الأسطوانية يعرف باسم بويكيلولايموس أوكسيسيركوس، عُثر عليه على عمق يزيد على كيلومتر تحت سطح الأرض (المصدر: Gaetan Borgonie/Extreme Life Isyensya)

كانت الدودة المكتشفة نوعاً جديداً على العلم، أُطلق عليها اسم هاليسيفالوبوس ميفيستو. ولحسن الحظ، كانت هذه الدودة أنثى قادرة على التكاثر العذري (إنتاج نسل من دون الحاجة إلى التزاوج)، مما أتاح للعلماء دراسة أحفادها في المختبر.

التكيف لتعزيز البقاء

كشفت الأبحاث الجينية لدودة الشيطان عن سر قدرتها على البقاء؛ فهي تمتلك أعداداً مرتفعة بشكل غير معتاد من الجينات المسؤولة عن إنتاج بروتينات الصدمة الحرارية، التي تحمي خلاياها من درجات الحرارة القصوى. كما أظهرت التجارب أن إنزيم أوكسيداز السيتوكروم سي لديها لا يعمل بكفاءة إلا في درجات حرارة مرتفعة، مما يجعل من البيئة الحارة في أعماق الأرض منزلاً مثالياً لها، بينما يتباطأ نشاطها في درجات حرارة الغرفة العادية.

تنوع
كشف الاستكشاف في أعماق باطن الأرض عن تنوع مفاجئ في أشكال الحياة متعددة الخلايا (المصدر: Gaetan Borgonie, Extreme Life Isyensya)

كيف وصلت إلى هذا العمق؟

تشير أبحاث بورغوني وعالمة الأحياء الجيولوجية كارا ماغنابوسكو إلى أن بعض هذه الديدان انتقلت من السطح عبر المياه، وربما ساعدتها الهزات الزلزالية في رحلتها. في المقابل، تُظهر دراسات أخرى أن بعض أنواع البكتيريا الموجودة في الأعماق قد تكون مستوطنة هناك منذ ملايين السنين، منذ عهد تفكك القارة العظمى بانجيا.

وتختتم إيستا فان هيردن، كبيرة علماء البيئة في شركة آي ووتر، قائلة: نحن البشر نعتقد أننا نحكم العالم، لكن الحقيقة أن هذه الكائنات موجودة هنا منذ مليارات السنين، وستظل باقية بعد رحيلنا بوقت طويل جداً.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news31225.html