
استند الفيلسوف الإيطالي ماريو ترونتي في تنظيره السياسي إلى مقولة مفتاحية: هناك شعبوية لأنه ليس لدينا شعب. هذه المقاربة لا تشير فقط إلى غياب الشعب كمفهوم سياسي ناتج عن تراجع دور النقابات والأحزاب، بل تشير أيضاً إلى تلاشٍ بيولوجي حقيقي للشعوب في المجتمعات الغربية.
لقد ساهمت الديمقراطية الليبرالية، على غرار الأنظمة السلطوية، في تهميش الشعب لصالح نخب اقتصادية ومالية، حيث باتت الدولة النيوليبرالية رهينة لآليات السوق، مما أعاد الفرد إلى شعور بالاغتراب والعبودية الحديثة أمام تعقيدات البيروقراطية وهيمنة النخب.
تحاول الحكومة الألمانية الراهنة الترويج للهجرة الماهرة. حتى يكون بمقدورها الاحتفاظ بمكانها كثالث أكبر اقتصاد في العالم عليها أن تضخ أنهارا من القوة الحية في أسواقها على نحو سنوي، وهذا ليس بالأمر اليسير
تتجلى أزمة الشعب المفقود في أوضح صورها من خلال البيانات الديموغرافية. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، انهار معدل خصوبة المرأة إلى 1.4 طفل، مقارنة بـ 5.4 في عام 1800. وتشير بيانات مؤسسة ستاتيستا لعام 2025 إلى عجز سكاني سلبي تجاوز 334 ألف شخص في عام واحد، وهو ما يعادل اختفاء مدينة متوسطة الحجم سنوياً.
الآلة البيولوجية الألمانية لم تعد تنتج سوى ربع إنتاجها قبل ستين عاما. انهار معدل خصوبة المرأة الألمانية إلى حدود 1.4 طفل للمرأة الواحدة، وكان المعدل في حدود 5.4 أطفال في العام 1800
في ظل هذا التراجع، وجدت التيارات الشعبوية تربة خصبة للنمو، حيث تقدم نفسها كـ رسول لإعادة إنتاج الشعب سياسياً، وحماية الهوية الوطنية من الإبدال السكاني. وتطرح هذه التيارات قضايا الأمن الثقافي مقابل الأمن الاقتصادي، معتبرة أن سيولة النظام الليبرالي الذي يحول الفرد إلى مجرد مستهلك أو دافع ضرائب بلا تاريخ هو الوقود الحقيقي لصعودها.
تؤكد ناديا أوربيتاني، في دراستها أنا الشعب، أن الحياة الليبرالية فككت الهوية الجماعية، مما دفع الحركات الشعبوية لأخذ زمام المبادرة في الإجابة على أسئلة الوجود الكبرى: من نحن؟ ولماذا نعيش؟
إن الصدام الراهن، خاصة في شرق ألمانيا حيث تحظى تيارات مثل البديل من أجل ألمانيا بشعبية متزايدة، يعكس التوتر بين ألمانيا الاقتصادية (التي تحتاج للهجرة لضمان استمرار السوق) وألمانيا العرقية (التي ترى في الهجرة تهديداً وجودياً). وبينما تتنبأ تقارير الأمم المتحدة بتغيرات ديموغرافية عالمية كبرى بحلول عام 2100، تظل المجتمعات الليبرالية عاجزة عن تجديد نفسها بمفردها، مما يجعل من الشعبوية، في نظر أنصارها، طريقاً إجبارياً لإعادة تعريف الجماعة في وجه التلاشي.