
بينما تغرب الشمس مخلفة وراءها ألواناً خلابة في سماء برشلونة، لا تزال المدينة ترزح تحت وطأة حرارة خانقة ورطوبة لا تطاق. في هذه الأجواء، تبرز أحياء برشلونة كساحات صراع للبقاء، حيث يسجل حي إل رافال التاريخي نفسه كأكثر المناطق عرضة للمخاطر المناخية، وسط تحذيرات من أن التغير المناخي يفاقم الفوارق الاجتماعية في قلب المدينة الإسبانية.
شهدت برشلونة مؤخراً تسجيل درجات حرارة قياسية بلغت 40.7 درجة مئوية، مما أدى إلى تسجيل مئات الوفيات المرتبطة بالحرارة. وتشير التوقعات العلمية إلى أن المدينة قد تواجه حصيلة وفيات هي الأعلى بين المدن الأوروبية بحلول عام 2099، نتيجة تأثير الجزر الحرارية الناجم عن الكثافة السكانية العالية، ونقص المساحات الخضراء، واستخدام الأسفلت بكثافة.
لا تتوزع مخاطر الحرارة بالتساوي في برشلونة؛ فحي إل رافال يعاني من مزيج قاتل من العوامل: كثافة سكانية مرتفعة، ومستويات دخل تعد من بين الأدنى في المدينة، بالإضافة إلى مبانٍ قديمة تفتقر للعزل الحراري والتهوية المتقاطعة، مما يحول الشقق إلى أفران مغلقة.
ويعد الحي مركزاً رئيسياً للمهاجرين، حيث ولد 67% من سكانه خارج إسبانيا، خاصة من باكستان والفلبين والهند، مما يجعل الفئات الأكثر ضعفاً اقتصادياً هي الأكثر عرضة للمعاناة.
في ظل غياب الحلول الجذرية داخل المنازل، تلجأ العائلات إلى مراكز الملاجئ المناخية أو التوجه إلى الشواطئ والمراكز التجارية المكيفة. ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن هذه الملاجئ -التي تشمل مكتبات ومتاحف- تعاني من محدودية ساعات العمل، حيث تغلق أبوابها في أوقات متأخرة من الليل، وهو الوقت الذي تصبح فيه الحرارة لا تطاق داخل البيوت.
وسط هذا التحدي، برزت مساحات مجتمعية مثل أغورا خوان أندريس بينيتيز، وهي منطقة خضراء أقامها السكان بأنفسهم في أرض كانت مهجورة. لا تعمل هذه المساحة كملاذ طبيعي لتلطيف الجو فحسب، بل كمركز اجتماعي يقدم وجبات مجانية وخدمات دعم للمهمشين. ومع ذلك، تواجه هذه الواحة تهديداً بالإغلاق بسبب قرار قضائي بالإخلاء، مما يثير مخاوف السكان من فقدان أحد أهم ملاذاتهم في مواجهة موجات الحر المتزايدة.
تظل قضية إل رافال نموذجاً لما تواجهه المدن الكبرى من تحديات في التكيف مع التغير المناخي، حيث لا يقتصر الحل على زراعة الأشجار، بل يتطلب إعادة النظر في التخطيط العمراني والعدالة الاجتماعية لضمان حماية الفئات الأكثر ضعفاً من درجات الحرارة المتطرفة.