
على مر التاريخ، لم يكن الانتصار العسكري وحده كافياً للحكام والأباطرة لضمان خلودهم؛ فقد سعوا دائماً إلى صياغة الرواية التي أرادوا أن تتناقلها الأجيال بعد زوال سلطانهم. من رمسيس الثاني على جدران معابده، إلى داريوس الأول ونقوشه على جرف بيستون، وصولاً إلى الإسكندر الأكبر الذي ربط اسمه بمدن شيدها، كانت السلطة تبحث دائماً عن أثر مادي يخلد ذكراها.
لكن أغسطس، أول أباطرة روما الذي حكم بين عامي 27 قبل الميلاد و14 ميلادية، اختار طريقاً مختلفاً لتخليد لقبه؛ إذ تجاوزه إلى التقويم نفسه، ليصبح اسمه عنواناً للشهر الثامن من السنة الميلادية في معظم لغات العالم.
قبل أن يحمل الشهر اسم أغسطس، كان الرومان يسمونه سيكستيليس، وهي كلمة مشتقة من الرقم ستة في اللاتينية. كان هذا الاسم متسقاً مع التقويم الروماني القديم الذي كانت سنته تبدأ مع الربيع في مارس/آذار. ومع اعتماد يناير/كانون الثاني مطلعاً للسنة الرسمية، تراجعت بقية الأشهر مرتبتين في الترتيب؛ فأصبح كوينتيليس الشهر السابع، وانتقل سيكستيليس من المرتبة السادسة إلى الثامنة، وبقيت الأسماء القديمة ملازمة لمواقعها الجديدة.
وُلد غايوس أوكتافيوس عام 63 قبل الميلاد، وكان حفيد شقيقة يوليوس قيصر. بعد اغتيال قيصر عام 44 قبل الميلاد، تبين في وصيته أنه تبنى أوكتافيوس، مما منحه اسم قيصر. وبعد صراعات سياسية وعسكرية طاحنة انتهت بانتصاره في معركة أكتيوم عام 31 قبل الميلاد وسيطرته على مصر، منحه مجلس الشيوخ في عام 27 قبل الميلاد لقب أغسطس، الذي يعني المبجل أو الموقر.
في عام 8 قبل الميلاد، أقر مجلس الشيوخ تغيير اسم سيكستيليس إلى أغسطس. وينقل الكاتب الروماني ماكروبيوس أن هذا الشهر كان مفصلياً في مسيرة أغسطس؛ ففيه تولى أول منصب قنصلي، ودخل روما في مواكب نصر، وانتهت الحروب الأهلية. لذا، اعتُبر هذا الشهر الأكثر حظاً لروما.
تشيع رواية تاريخية تزعم أن أغسطس انتزع يوماً من شهر فبراير حتى لا يكون شهره أقصر من شهر يوليوس قيصر (يوليو). إلا أن الحقائق التاريخية تنفي ذلك؛ فقد كان شهر سيكستيليس يتألف بالفعل من 31 يوماً منذ الإصلاح الذي أجراه يوليوس قيصر قبل نحو أربعة عقود من تغيير الاسم. أما فبراير، فقد كان قصيراً بطبيعته نتيجة موقعه في نهاية التقويم القديم ودوره في عملية ضبط الحسابات.
لم يقم أغسطس بسرقة أيام، بل قام بتصحيح خطأ حسابي وقع فيه الكهنة الرومان عند تطبيق التقويم اليولياني، حيث أضافوا اليوم الكبيس كل ثلاث سنوات بدلاً من أربع. أمر أغسطس بتعليق إضافة الأيام الكبيسة مؤقتاً حتى يتوافق التقويم مجدداً مع المسار الشمسي الصحيح.
اليوم، وبعد أكثر من ألفي عام على وفاته، لا يزال اسم أغسطس حاضراً في سجلاتنا وتواريخنا اليومية، ليثبت أن تخليد الذكرى لا يتطلب دائماً بناء المعابد، بل قد يكفي أن تربط اسمك بالزمن الذي يعيشه الناس.