
بعد نحو 169 عاماً من اكتشاف الكويكب 44 نيسا (44 Nysa) لأول مرة في عام 1857، نجح فريق دولي من علماء الفلك في فك شفرة طبيعته الغامضة، ليُصنف رسمياً كأول كويكب ثلاثي الفصوص يتم رصده في النظام الشمسي، في اكتشاف يفتح آفاقاً جديدة لفهم كيفية تشكل الكواكب الصخرية.
ظل 44 نيسا لعقود مجرد نقطة ضوء باهتة، حتى مع صور تلسكوب هابل التي لم تكن كافية لتحديد بنيته بدقة. إلا أن التعاون بين مرصد لويل في أريزونا، والتلسكوب الثنائي الكبير، والمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي، أحدث نقلة نوعية عبر استخدام تقنيات التصوير عالية التباين وأنظمة البصريات التكيفية التي تعوض اضطرابات الغلاف الجوي.
أظهرت النتائج أن الكويكب، الذي يبلغ عرضه نحو 75 كيلومتراً، يتكون من 3 فصوص متصلة تفصل بينها مناطق منخفضة تشبه العنق، وهو تركيب هيكلي فريد لم يُشاهد من قبل. وتؤكد الباحثة كيت مينكر من مرصد لويل أن الصور تكشف عن جسم غير مألوف، مرجحة أنه يتألف من 3 مكونات التحمت معاً أو أنه جسم واحد تعرض لتشوه شديد.
لم تتوقف المفاجآت عند الشكل الغريب للكويكب؛ فقد كشفت الأرصاد عن وجود قمر صغير يبلغ قطره كيلومتراً واحداً، يدور حول نيسا على مسافة لا تقل عن 170 كيلومتراً، وقد أُطلق عليه الاسم المؤقت إس 2026 (S/2026 (44) 1).
ويوضح جيانلوكا لي كاوزي من المعهد الوطني الإيطالي للفيزياء الفلكية أن استخدام تقنية التصوير عالي التباين كان حاسماً في رصد هذا القمر الذي كان يختفي سابقاً خلف وهج الكويكب الساطع. ومن المتوقع أن تساهم متابعة مدار هذا القمر في تحديد الكتلة الحقيقية للكويكب وكثافته بدقة.
ينتمي 44 نيسا إلى الكويكبات من النوع إي (E)، التي تتميز بأسطح شديدة الانعكاس وغنية بمعدن الإنستاتيت. ويعتقد العلماء أن هذه الأجسام تشكلت بالقرب من الشمس في بدايات النظام الشمسي، مما يجعلها كبسولات زمنية تحمل أسرار المواد الأولية التي ساهمت في بناء الكواكب الداخلية، بما فيها الأرض.
ويخلص الباحثون إلى أن فهم هذا الجسم لا يقتصر على دراسة صخرة فضائية، بل يمثل خطوة جوهرية لإعادة رسم صورة المراحل الأولى التي تشكلت خلالها الكواكب قبل نحو 4.5 مليارات سنة، مؤكدين أن التطور في أدوات الرصد يواصل تغيير فهمنا لأجرام اعتقدنا أننا نعرفها منذ أكثر من قرن.