
على خشبة مسرح الحمرا بدمشق، يقدّم المخرج سعيد الحناوي عرضه المسرحي ليلة الوداع عن نص للكاتب جوان جان، في تجربة فنية تغوص في أعماق النفس البشرية، متجاوزةً حدود الحكاية التقليدية لتجعل من المسرح مساحة للتساؤلات الوجودية الكبرى.
ينطلق العرض من لحظة إنسانية شديدة الخصوصية والقسوة؛ الليلة الأخيرة لامرأة في منزلها قبل انتقالها الإجباري إلى دار للمسنين. هذا الهدوء الساكن ليس سوى غطاء لعاصفة داخلية، حيث تتحول الليلة الواحدة إلى عمرٍ كامل، ويغدو البيت مسرحاً لذاكرة ترفض الرحيل، في مقاربة نفسية تجعل من الشيخوخة محطة للمراجعة الشاملة لا مجرد نهاية للحياة.
يتجاوز العرض قضايا المرأة الفردية ليطرح رؤية أعمق حول المجتمع الذي يعيد إنتاج قيوده عبر الأجيال. فالشخصيات النسائية في العمل -التي جسدتها ديالا العلي، هالا البدين، مروى الزير، ونور نجار- تمثل نماذج حية لصراع الفرد مع المنظومة الاجتماعية، حيث تُسلب الأحلام وتُفرض القرارات، ليصبح العرض مرآة لمجتمع يقف على عتبة مراجعة تاريخية لموروثاته.
شكّل الخطاب البصري ركيزة أساسية في ليلة الوداع؛ حيث لم تكن السينوغرافيا مجرد ديكور، بل لغة موازية للنص. نجح الحناوي في خلق تكامل بين الإضاءة والفراغ وحركة الممثلات، مما جعل المشهد المسرحي لوحة متحركة تعكس التحولات النفسية للشخصيات، بعيداً عن الاستعراض الشكلي، ومعتمداً على صدق الأداء في الانتقال بين مراحل العمر المختلفة.
يراهن العرض على دور المسرح في زعزعة المسلمات بدلاً من تقديم حلول جاهزة. ومن خلال التوازن الدقيق بين الكلمة، الصورة، والصمت، استطاع ليلة الوداع أن يشرك المتلقي في إنتاج المعنى، دافعاً إياه للتساؤل عن مفاهيم الحرية، الاختيار، والكرامة. إنها مسرحية تضع المشاهد أمام مواجهة مباشرة مع ذاته، لتؤكد أن المعارك الأكثر قسوة هي تلك التي يخوضها الإنسان بصمت مع الزمن.