
منذ فجر عصر استكشاف القمر في ستينيات القرن الماضي، ظل التحدي الأكبر يكمن في كيفية التنقل الآمن داخل بيئة معقدة تتداخل فيها جاذبية الأرض مع جاذبية القمر، مما يخلق مسارات مدارية فريدة تختلف جذرياً عن المدارات التقليدية.
وفي إطار التحضيرات لبرنامج أرتميس، أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا عن إطلاق مهمة كاب ستون 2 المقررة في عام 2027، والتي تهدف إلى تطوير تقنيات الملاحة والاتصال والمناورة اللازمة لضمان وجود بشري مستدام على سطح القمر والانطلاق نحو أعماق النظام الشمسي.
تعتمد المهمة على مسبارين صغيرين يعملان في تشكيل طيراني متقارب ضمن ما يُعرف بـ المدارات ثلاثية الأجسام. وفي هذا النمط، يتبادل المسباران الأدوار بين مركبة مطاردة وأخرى هدف، مما يتيح للمهندسين دراسة تأثيرات الجاذبية المشتركة للأرض والقمر على حركة المركبات الفضائية بدقة غير مسبوقة.
تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه المهمة في اختبار طرق تحكم جديدة بالمركبات قبل الاعتماد عليها في الرحلات المأهولة، حيث تتولى شركة تيران أوربيتال تصنيع المسبارين تحت إشراف وكالة ناسا التي ستتولى تحليل البيانات العلمية الناتجة.
ستختبر المهمة أنظمة اتصالات وملاحة تعتمد على مزيج من المستشعرات البصرية، رصد الأجرام السماوية، والبيانات التلسكوبية الأرضية. وتعد هذه التقنيات حجر الزاوية للمناورات التي ستنفذها مركبة أوريون عند التقائها بمركبات الهبوط القمرية، مثل بلو مون وستارشيب، لضمان عمليات التحام آمنة.
وفي هذا الصدد، صرح شون فولر، مدير مشروع كاب ستون، بأن هذه المهمة تضع الأساس للبنية التحتية القمرية والخدمات التجارية التي ستدعم طموحات ناسا في الفضاء السحيق.
تأتي المهمة الجديدة كاستكمال لنجاح المركبة الأولى التي أُطلقت عام 2022. وقد أثبتت التجربة الأولى، التي لم يتجاوز حجم مركبتها حجم فرن ميكروويف، كفاءة العمل في المدارات المعقدة المتأثرة بجاذبية مزدوجة، مما شجع المهندسين على تطوير المهمة الحالية لتكون أكثر تعقيداً بمسبارين بدلاً من واحد.
إن كاب ستون ليست مجرد تجربة تقنية، بل هي خطوة محورية في بناء منظومة نقل واتصالات متكاملة، تهدف إلى تحويل الفضاء القريب من القمر إلى محطة انطلاق مستدامة نحو المريخ والوجهات الأبعد في الكون.