
رغم تدفق مليارات الدولارات سنوياً من عائدات النفط إلى الموازنة العامة في ليبيا، لا يزال المواطن الليبي يواجه أزمات معيشية خانقة، تتراوح بين طوابير الوقود الطويلة وانقطاعات الكهرباء المتكررة وتصاعد أسعار الغذاء، مما يعكس فجوة عميقة بين حجم الإنفاق الحكومي والأثر الملموس على أرض الواقع.
يؤكد وزير الاقتصاد الليبي السابق، سلامة الغويل، أن المعضلة لا تكمن في حجم الأموال المرصودة، بل في آليات إدارتها وتوجيهها. ويوضح الغويل أن الجزء الأكبر من الميزانيات السابقة استُنزف في المرتبات والدعم والمصروفات التشغيلية، على حساب الإنفاق الاستثماري والتنموي، مؤكداً أن غياب الميزانية الموحدة والانقسام المؤسسي أضعفا القدرة على الرقابة والمحاسبة.
يبرز قطاع المحروقات كنموذج صارخ للهدر؛ حيث بلغت واردات الوقود نحو 9.23 مليارات دولار خلال عام 2024، بزيادة كبيرة في الكميات، رغم استمرار الأزمات. وكشفت مراجعات ديوان المحاسبة عن اختلالات هيكلية، منها:

من جانبه، يرى عبد المنعم أبو زيد، عضو اللجنة العليا لمكافحة الفساد، أن الحل يكمن في الرقابة الإلكترونية على دورة الوقود كاملة، ومعالجة الثغرات التشريعية التي تسمح باستنزاف الدعم بعيداً عن مستحقيه.

في قطاع الكهرباء، لا تزال الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك قائمة، إذ كشفت تقارير ديوان المحاسبة عن هدر مالي سنوي يصل إلى 200 مليون دولار بسبب تدني كفاءة محطات التوليد. وبالمثل، يعاني القطاع الصحي من غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة، حيث تسيطر منظومة معقدة تضم مئات الشركات، مما يؤدي إلى تكدس أصناف دوائية ونقص حاد في أخرى.
تعتمد ليبيا بشكل متزايد على استيراد الحبوب، مع توقعات بأن تغطي المصادر المحلية جزءاً بسيطاً من الاحتياجات. ويشير رجال أعمال ومزارعون إلى أن تعقيد إجراءات الاعتمادات المستندية، ونقص الوقود، وتذبذب سعر الصرف، عوامل أدت جميعها إلى تضخم الأسعار.

وفي النهاية، يظل المواطن هو المتضرر الأول؛ حيث تضيع يومياته في البحث عن الخدمات الأساسية، بينما تلتهم تكاليف المعيشة المرتفعة جزءاً كبيراً من دخله. ويخلص الخبراء إلى ضرورة التحول نحو اقتصاد النتائج وربط الإنفاق بمؤشرات أداء شفافة لضمان وصول الدعم لمستحقيه بعيداً عن أروقة الفساد.
