
في مشهد يعكس تناقضات النظام العالمي المعاصر، يبرز جواز السفر كأداة للتحكم في حركة البشر، حيث يتحول بالنسبة للبعض إلى سلعة استثمارية تمنح حرية التنقل، بينما يظل بالنسبة لآخرين حلماً بعيد المنال، يضطرون للمخاطرة بأرواحهم للوصول إلى الحدود الأوروبية.
يضع الاتحاد الأوروبي اليوم ملفين على طاولة النقاش، يريان فيهما وجهين لعملة واحدة: أزمة المهاجرين في مدينة سبتة، وبرامج الجنسية مقابل الاستثمار في خمس دول كاريبية، وسط مخاوف من تأثير هذه الملفات على أمن فضاء شنغن.
أظهر مؤشر هينلي لقوة جوازات السفر لعام 2026 فجوة هائلة في حرية التنقل؛ إذ يتصدر جواز سنغافورة القائمة بـ192 وجهة، بينما يقبع الجواز الأفغاني في ذيل القائمة بـ22 وجهة فقط. هذه القوة لا تعتمد على الاقتصاد وحده، بل على مستوى الثقة الأمني الذي تمنحه الدول المضيفة لحامل الجواز.
على سبيل المثال، يمتلك الجواز الدومينيكي ميزة الوصول إلى 144 دولة دون تأشيرة، بفضل برامج الاستثمار، وهو ما يتجاوز بكثير قدرات جوازات دول ذات اقتصادات أكبر، مما جعل الجنسية تتحول إلى منتج اقتصادي يُباع ويُشترى.
طالب الاتحاد الأوروبي دولاً مثل أنتيغوا وبربودا، ودومينيكا، وغرينادا، وسانت كيتس ونيفيس، وسانت لوسيا، بإنهاء برامج منح الجنسية مقابل الاستثمار بحلول عام 2028، محذراً من تعليق إعفاء مواطنيها من تأشيرة شنغن.
وترى المفوضية الأوروبية أن هذه البرامج تفتح ثغرات أمنية وتسهل عمليات غسل الأموال والتهرب الضريبي. وفي المقابل، تظل أزمة سبتة حاضرة كاختبار لمنظومة الحدود الأوروبية، حيث يواجه المهاجرون غير النظاميين واقعاً مختلفاً تماماً عن الأثرياء الذين يشترون طريقاً مختصراً نحو العالم.
إن المقارنة بين الكاريبي وسبتة تكشف عن مفارقة عالمية عميقة، حيث أصبحت حرية التنقل مرتبطة بشكل وثيق بالثروة ومكان الميلاد، مما يجعل من جواز السفر رمزاً للفوارق الطبقية والجغرافية في عالمنا اليوم.