2026/08/05
خلف الكاميرا: لماذا يوافق الغرباء على البوح بأسرارهم؟

تروي المذيعة الأمريكية الشهيرة أوبرا وينفري، التي حاورت في مسيرتها الطويلة أكثر من 37 ألف شخص، من رؤساء ونجوم وأبطال وربّات بيوت، أن ضيوفها جميعا، بلا استثناء تقريبا، كانوا يسألونها السؤال نفسه عندما تنطفئ الإضاءة والكاميرات: كيف كانت المقابلة؟. وتضيف وينفري أنه حتى الرئيسين الأمريكيين جورج بوش وبارباراك أوباما انحنيا نحوها بعد المقابلة وسألاها السؤال ذاته.

هذه الحكاية تفتح الباب على تساؤل جوهري في مهنة الصحافة: لماذا يوافق إنسان عاقل على الجلوس أمام كاميرا والإجابة عن أسئلة شخص غريب؟ فالكاميرا آلة غريبة؛ تعد الجالس أمامها بالكثير، وتأخذ منه أكثر، ومن يقبل هذه المقايضة لا يفعل ذلك عبثاً.

ثلاثية الدوافع: المرتزقة والمبشرون والمغمورون

بعد أكثر من ثلاثين عاماً من العمل التلفزيوني، يمكن تصنيف من يقبل الظهور أمام الكاميرا إلى ثلاث فئات أساسية (تتقاطع أحياناً):

  • المرتزقة (Mercenaries): لا أقصد المعنى الأخلاقي الضيق، بل كل من يدخل المقابلة وفي ذهنه صفقة يريد إتمامها، سواء كانت لجوءاً، أو حماية، أو تصفية حساب مع خصم، أو مقعداً في المشهد القادم.
  • المبشرون (Missionaries): أصحاب قضايا يرون في الكاميرا امتداداً لإيمانهم؛ كالناشط، والمقاتل العقائدي، ورجل الدين. هؤلاء لا يجيبون عن الأسئلة، بل يلقون خطبهم عبرها.
  • المغمورون (Misfits): وهم الأعقد؛ لا صفقة يرجونها ولا رسالة يحملونها، بل يريدون فقط أن يُروا. هم أشخاص تجاوزتهم الحياة، أو جرحى لم يستمع أحد لقصصهم، يجدون في الكاميرا فرصة ليشعروا بالأهمية.
مع المرتزق، عليك أن تفهم الصفقة التي في رأسه قبل أن يفتح فمه؛ لأن روايته ستكون مفصّلة على مقاس ما يريد. وهذا لا يعني أن كلامه بالضرورة كذب، بل يعني أن كل معلومة منه تحتاج إلى ميزان وشهود.

دراسة حالة: كيرفبول والكرة الملتوية

في كتابي الفيكسر (The Fixer)، رويت قصة مطاردتي لـ رافد أحمد علوان، الملقب بـ كيرفبول، المنشق العراقي الذي بُنيت على رواياته الملفقة حجة غزو العراق. حين التقيت به، أدركت أنه يمثل الخانات الثلاث مجتمعة: باع رواية ليشتري لجوءاً (مرتزق)، وأقنع نفسه بأنه يحرر بلاده (مبشر)، ولكنه في جوهره كان مغموراً أراد أن يكون مهماً.

المغمور، هو أعقدهم جميعا. لا صفقة يريد عقدها، ولا رسالة يريد نشرها. يريد فقط أن يُرى. رجل تجاوزته الحياة، أو جريح لم يستمع أحد إلى جرحه، أو موظف صغير في جهاز كبير يعرف تفصيلة واحدة تجعله، لأول مرة، مهما.

إن فهم هذه الدوافع ليس رخصة لاحتقار الضيف، بل هي أداة فهم للصحفي. فالدوافع الثلاثة تسكننا جميعاً، نحن أهل المهنة قبل ضيوفنا؛ فنحن أيضاً مرتزقة نطارد السبق، ومبشرون نؤمن بتغيير العالم، ومغمورون اخترنا مهنة تضعنا في قلب الأحداث.

ويبقى السؤال الأخير: ماذا عن الذين يرفضون الظهور؟ هؤلاء هم الأكثر احتراماً، لأنهم فهموا شيئاً احتجنا لعقود لندركه: أن بعض الحقائق لا تتسع لها شاشة.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news32766.html