
على مدار تاريخ إسرائيل، ظلت الخلافات بين القيادات السياسية والمؤسسة العسكرية حبيسة الغرف المغلقة. كانت النقاشات حول الاستراتيجية والتوقيت والمخاطر تُدار بعيداً عن أعين الجمهور، ليظهر الكيان في حالة من التماسك الواضح رغم التوترات الداخلية. لكن هذا الترتيب الهادئ قد تهاوى تماماً، فبعد نحو ثلاث سنوات من أحداث 7 أكتوبر، تحولت الصدامات العلنية بين الوزراء وكبار الضباط إلى مشهد روتيني.
لم يعد الخلاف مقتصرًا على التكتيكات العسكرية، بل امتد ليشمل جوهر إدارة الدولة: من يملك الحق في تعريف النصر؟ ومن يحدد أهداف الحرب؟ ومن يقرر ما هو ممكن واقعياً؟
تاريخياً، لم يكن الجيش الإسرائيلي مجرد ذراع تنفيذية، بل كان شريكاً في صياغة سياسات الأمن. كان القادة العسكريون، بتقديراتهم المهنية، يضعون سقفاً للطموح السياسي، محذرين من تبعات تجاوز حدود الممكن. لكن هذا الميثاق غير المكتوب انقلب رأساً على عقب تحت وطأة حرب طويلة ومستنزفة.
يمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى هذا الانقلاب الهيكلي في أربع نقاط رئيسية:
إن النتيجة المباشرة لهذا التصدع هي ضبابية في اتخاذ القرار. ففي ظل غياب استراتيجية موحدة متفق عليها بين المستوى السياسي والعسكري، تعاني الدولة من تضارب في الأولويات وتباين في تقدير المخاطر. لم تعد القضية مجرد خلافات شخصية بين وزير دفاع ورئيس أركان، بل هي أزمة نظام يعيش تحت ضغط طويل الأمد.
تطرح هذه التطورات سؤالاً وجودياً يرافق إسرائيل منذ أكتوبر 2023: عندما تمتد الحرب لسنوات، من صاحب القرار النهائي؟ السياسي الذي يربط بقاءه بمظاهر السيطرة، أم الجنرال الذي يدرك حدود القوة العسكرية؟ الجواب على هذا السؤال لن يحدد فقط شكل العلاقة بين الجيش والحكومة، بل سيرسم ملامح الطريقة التي ستنتهي بها هذه الحرب، والثمن البشري الذي سيُدفع حتى ذلك الحين.