
عاد الدكتور أنتوني فاوتشي، المدير السابق للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، ولكن هذه المرة كطرف في مواجهة قانونية محتدمة داخل أروقة الكونغرس، بعد مرور أكثر من 6 سنوات على تفشي جائحة كوفيد-19.
تأتي هذه التحركات في ظل استقطاب حاد، حيث يسعى أعضاء الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ إلى إخضاع الإدارة الصحية السابقة للمساءلة الشاملة بشأن تدابير الإغلاق، وشفافية تمويل الأبحاث، وأصل الفيروس، بينما يرى الديمقراطيون أن استهداف فاوتشي بعد تقاعده يحمل دوافع انتخابية تهدف لتحويل القيادات العلمية إلى كباش فداء.

في تطور نوعي، حصلت اللجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات التابعة للجنة الأمن الداخلي في مجلس الشيوخ رسمياً على نسخة من هاتف فاوتشي الحكومي عبر وزارة الصحة والخدمات الإنسانية. ويأتي هذا الإجراء في وقت تصاعدت فيه الضغوط من السيناتورين رون جونسون وراند بول، اللذين حصلا على ملايين الصفحات من المستندات الحكومية لتقصي الحقائق حول إجراءات الجائحة.
وقد صوتت اللجنة مؤخراً بتحميل فاوتشي المسؤولية عن ازدراء الكونغرس بعد رفضه الإجابة على أسئلة اللجنة وتفعيله حق الامتناع الدستوري (التعديل الخامس) أكثر من 100 مرة، مما دفع اللجنة لإحالته إلى وزارة العدل من أجل محاكمة محتملة.
فاوتشي لعب دورا محوريا خلال استجابة إدارة ترمب الأولى للجائحة في عام 2020، إذ خالف الرئيس علنا في بعض الأحيان، ودعا إلى توخي قدر أكبر من الحذر في التعامل مع الوباء (وول ستريت جورنال)
يتمسك فريق فاوتشي القانوني بحقه الدستوري في عدم تجريم نفسه. وفي هذا الصدد، يجادل السيناتور الديمقراطي غاري بيترز بأن العفو الرئاسي الذي منحه الرئيس السابق جو بايدن لفاوتشي قبل تقاعده لا يسقط الحماية التي يكفلها التعديل الخامس، خاصة في ظل استمرار التهديدات بالملاحقة القضائية.

تثير هذه المواجهة مخاوف أوساط علمية واسعة، حيث وقع أكثر من 150 عالماً وطبيباً رسالة تحذر من أن استهداف فاوتشي يمثل هجوماً على البحث العلمي، وقد يؤدي إلى تردد المسؤولين الصحيين في اتخاذ قرارات حاسمة مستقبلاً خشية الملاحقة السياسية. وتشير آراء خبراء إلى أن فاوتشي تحول إلى رمز للإحباط الشعبي من قيود الجائحة، مما جعله هدفاً سهلاً في معركة البحث عن مذنبين.
السيناتور الجمهوري راند بول يرى أن لجوء فاوتشي إلى التعديل الخامس من الدستور الأمريكي يمثل عرقلة للتحقيقات التي يجريها الكونغرس، خصوصا بعدما حصل على عفو رئاسي من الرئيس السابق جو بايدن
في تحليل لصحيفة نيويورك تايمز، يرى الكاتب ديفيد والاس ويلز أن فاوتشي ارتكب أخطاءً فعلية في تقديراته المبكرة، مثل التوصيات المتعلقة بالكمامات والتقديرات الأولية لوفيات الفيروس، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن اختزال أزمة عالمية معقدة في شخص واحد يحجب الدروس الحقيقية المستفادة من الجائحة.

فاوتشي كان مخطئا في بعض تقديراته المبكرة، مثل التقليل الأولي من خطورة الفيروس، والتغير في توصيات ارتداء الكمامات، والتقديرات الأولية لعدد الوفيات (الكاتب ديفيد والاس ويلز)
ويبقى ملف فاوتشي مفتوحاً على كل الاحتمالات، كاشفاً عن انقسام أمريكي عميق حول كيفية التعامل مع إرث الجائحة، وما إذا كانت هذه الملاحقات تمثل مراجعة موضوعية للأداء الحكومي أم مجرد استغلال سياسي في موسم انتخابي ساخن.