
اتسعت رقعة التحقيقات القضائية في القضية المثيرة للجدل المعروفة باسم سياحة القنص أو رحلات الصيد في سراييفو، لتشمل خمس دول أوروبية هي إيطاليا والنمسا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا، وذلك في محاولة لكشف حقيقة مزاعم حول أجانب توافدوا إلى المدينة خلال حصارها (1992-1996) للمشاركة في عمليات قنص المدنيين مقابل مبالغ مالية.
عادت هذه المزاعم لتتصدر المشهد الحقوقي والقضائي بعد عرض الفيلم الوثائقي سفاري سراييفو عام 2022، وما تلاه من صدور كتب استقصائية، أبرزها كتاب الصحافي الإيطالي إزيو غافازيني قناصو عطلة نهاية الأسبوع، وكتاب الصحافي الكرواتي دوماغوج مارغيتيش ادفع وأطلق النار.
تشير الشهادات التي يستند إليها الادعاء إلى أن أجانب أثرياء دفعوا أموالاً طائلة للوصول إلى مواقع تابعة لقوات صرب البوسنة المطلة على سراييفو، بهدف استهداف المدنيين. وتتحدث بعض الروايات عن تنافس بين المشاركين في استهداف النساء والأطفال، بمن فيهم النساء الحوامل.
في إيطاليا، باشر الادعاء العام في ميلانو تحقيقاته أواخر عام 2025 بناءً على شكوى قدمها غافازيني. ويقدر الأخير عدد المشاركين في هذه الرحلات بما بين 400 و500 شخص، معظمهم من الإيطاليين، رغم تأكيد مصادر قضائية أن الأدلة المجمعة حتى الآن لا تزال في معظمها ظرفية ولم ترقَ بعد إلى مستوى الإحالة للمحاكمة.
نقلت تقارير صحافية، من بينها تحقيق لصحيفة التايمز البريطانية، شهادات لضباط وعسكريين سابقين. حيث أفاد ألكسندر ليتشانين (63 عاماً) بأنه شاهد عام 1993 أجانب يرتدون ملابس أنيقة في المقبرة اليهودية القديمة، يشاركون في عمليات صيد يعقبها احتفالات صاخبة.
من جانبه، ذكر إدين سوباسيتش، الضابط السابق في الاستخبارات البوسنية، أنه استجوب في عام 1993 متطوعاً صربياً كشف عن وجود إيطاليين وأجانب آخرين معه، وعندما سُئلوا عن أجرهم مقابل القتال، أجابوا: لا أحد يدفع لنا. نحن من ندفع لنكون هنا.
على الجانب الآخر، هناك أصوات تشكك في صحة هذه الروايات. فقد صرح عسكريون بريطانيون خدموا في سراييفو لبي بي سي بأنهم لم يلحظوا وجود ظاهرة منظمة كهذه، واصفين الأمر بـالأسطورة الحضرية، مشيرين إلى الصعوبات اللوجستية التي كانت ستواجه أي أجنبي يحاول الوصول إلى خطوط الجبهة.
كما أكد دوغلاس أتش وايز، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، أن الأرشيفات السرية التي رفعت عنها السرية لا تتضمن أي إشارات تدعم وجود شبكة منظمة لـسياحة القنص.
رغم هذه التشكيكات، تواصل السلطات في عدة دول أوروبية تحرياتها، حيث اجتمع ممثلون عن ست دول في مقر وكالة يوروجست بلاهاي نهاية يونيو/حزيران الماضي لتبادل المعلومات، في محاولة أخيرة لكشف ما إذا كانت هذه الادعاءات جرائم حرب حقيقية أم مجرد قصص تناقلتها ألسنة الناجين من أهوال الحرب.