2026/08/08
فاتورة العجز في تونس: هل أصبح جيب المريض الحل الوحيد لترقيع الأزمات المالية؟

حين يتحول شعار الدولة الاجتماعية إلى مجرد عنوان، تجد الشابة التونسية المصابة بمرض مزمن نفسها في مواجهة مع واقع مرير؛ فإلى جانب التحديات الصحية، تصطدم بأسعار أدوية باهظة تفوق قدراتها المالية، وتزيد تعقيدات قانون الشيكات الجديد من صعوبة تدبير ثمن العلاج، مما يضطرها للاستدانة والدخول في دوامة ديون لا تنتهي.

لا يمكن قراءة قرار الصيدلية المركزية بمراجعة أسعار مئات الأدوية في أواخر يوليو/تموز من هذا العام، كإجراء إداري معزول أو مجرد تحيين محاسبي؛ بل يجب مقاربته كمحصلة حتمية لتراكم الاختلالات الهيكلية في المالية العمومية، وكمؤشر خطير على تصدع منظومة الأمن الصحي في تونس.

ترحيل الأزمة لجيوب المرضى

بموجب المنشور عدد 30 الصادر في 24 يوليو/تموز 2026، أقرت الصيدلية المركزية مراجعة سعرية شملت مئات الأدوية المستوردة والموجهة حصراً للأمراض المزمنة. هذا القرار ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسة الصرف المرنة وانزلاق الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية منذ عام 2016.

بلغة الأرقام، فقد الدينار التونسي أكثر من 50% من قيمته الشرائية في الأسواق العالمية؛ حيث ارتفعت كلفة استيراد نفس الكمية من الأدوية من 2200 دينار في 2016 إلى ما يفوق 3400 دينار في 2026. وبدلاً من استمرار الصيدلية المركزية في امتصاص هذه الفوارق، قررت السلطات تمرير الكلفة كاملة إلى المريض التونسي.

الأمن الصحي في مهب الريح

تكتسي هذه الزيادات خطورة مضاعفة نظراً لانتشار الأمراض المزمنة؛ حيث تشير تقارير الفدرالية الدولية للسكري لسنة 2024 إلى أن نسبة الانتشار في تونس تبلغ 16%، بينما يعاني 10% من المسنين من أمراض القلب و12% من أمراض الخرف. إن رفع الدعم عن هذه العلاجات يعني عملياً رفع الغطاء المالي عن ملايين التونسيين.

وتكشف البيانات أن المريض بات يتحمل ما يقارب 40% من إجمالي نفقات علاجه من جيبه الخاص، وهي نسبة تمثل ضعف السقف التحذيري العالمي الذي حددته منظمة الصحة العالمية بـ 20% لتجنب النفقات الصحية الكارثية.

الفارق الشاسع في كلفة الصرف، والذي ظلت الصيدلية المركزية تمتصه لسنوات وتغطيه من ميزانيتها الخاصة، قررت السلطات اليوم التخلص منه دفعة واحدة، وتمريره كاملا وبشكل قسري إلى جيب المريض التونسي الذي بات يدفع ثمن تهاوي عملته المحلية من صحته.

أزمة الديون المتقاطعة

تمثل أزمة الصيدلية المركزية التجلي الأبرز لأزمة الديون المتقاطعة بين هياكل الدولة. فالعجز الهيكلي للصناديق الاجتماعية يمنعها من سداد مستحقات الصندوق الوطني للتأمين على المرض، الذي يعجز بدوره عن سداد ديونه للمستشفيات والصيدلية المركزية، مما خلق حلقة مفرغة من شح السيولة.

وتشير بيانات نهاية 2025 إلى أن مستحقات الصيدلية المركزية لدى الهياكل العمومية تتجاوز 1200 مليون دينار، مما دفعها للتخلف عن سداد ديونها للمزودين الأجانب.

الصناعة المحلية ومأزق التوريد

يعيش قطاع الصناعة الدوائية المحلية أزمة صامتة؛ فبينما تفرض الدولة سياسة تسعير جبرية على المنتج المحلي، تضطر المصانع لاستيراد المواد الأولية بالعملة الصعبة. هذا التناقض يدفع العديد من المخابر لإيقاف تصنيع أدوية حيوية، مما يجبر الدولة على توريد بدائل أجنبية بأضعاف الثمن، وهو ما يرهق ميزان المدفوعات ويحول أزمة غلاء الدواء إلى خطر انعدام الدواء.

للبقاء على قيد الحياة، لا تمتلك الأسر رفاهية الاستغناء عن أدوية الأمراض المزمنة، ليصبح رفع أسعارها بمثابة ضريبة صحية قسرية تفرض على ميزانيات منهكة أصلا.

ختاماً، يتطلب المشهد الراهن إقرار خطة طوارئ اقتصادية لتصفية الديون المتقاطعة، وإطلاق إستراتيجية وطنية للأمن الدوائي تحصن الصحة العامة من تقلبات التوازنات المالية، وتضع حق المواطن في العلاج كأولوية قصوى فوق أي اعتبار محاسبي.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news33546.html