2026/08/09
مفارقة اللحى الرمادية.. كيف تخدع شركات الذكاء الاصطناعي نفسها بوعود الأتمتة؟

في بريطانيا القرن التاسع عشر، لاحظ الاقتصادي ويليام ستانلي جيفونز مفارقة غريبة: كلما زادت كفاءة المحركات البخارية في استهلاك الفحم، زاد استهلاك بريطانيا له بدلاً من أن يقل. اليوم، يعيد رواد الذكاء الاصطناعي إحياء هذه المفارقة لمحاولة طمأنة الموظفين القلقين على مستقبلهم المهني، لكن الواقع في كواليس الشركات الكبرى يروي قصة أكثر تعقيداً.

من مذبحة الياقات البيضاء إلى لغة العزاء

في مايو 2025، أطلق داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، تحذيراً مدوياً من مذبحة الياقات البيضاء، متوقعاً محو نصف الوظائف المكتبية للمبتدئين. ولكن بعد عام واحد، عاد أمودي ليروج لفكرة أن أتمتة 90% من الوظيفة سيؤدي بالضرورة إلى تضاعف إنتاجية العامل 10 مرات، مستنداً إلى مفارقة جيفونز كعزاء للمتخوفين.

داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك (غيتي)

لكن هذا العزاء سرعان ما تعرض للاهتزاز؛ ففي مقال تقني لاحق، أشار أمودي إلى أن سرعة تطور الذكاء الاصطناعي قد تجعل النظريات الاقتصادية الكلاسيكية عاجزة عن تفسير الواقع، معترفاً بأن فقدان الوظائف قد يكون خاصية جوهرية في التقنية نفسها.

فجوة الخبرة: عندما تفشل الآلة في المهمة المجاورة

يؤكد بيتر مكروري، رئيس الاقتصاد في أنثروبيك، أن قدرات الذكاء الاصطناعي مسننة؛ فهي تتفوق في مهمة وتفشل في أخرى تبدو أبسط. هذا يعني أن العمل المعقد لا يزال بحاجة ماسة للإشراف البشري. ومع ذلك، فإن تقارير الشركة تشير إلى أثر إفقار مهاري، حيث تلتقط الآلة المهام العالية المهارة، مما يترك الموظف المبتدئ بلا فرصة لتعلم أساسيات المهنة.

كتاب مسألة الفحم (الجزيرة)

درس فورد: لماذا استعادت الشركة اللحى الرمادية؟

تعد تجربة شركة فورد نموذجاً حياً لهذه الأزمة. فبعد أن راهنت الشركة على الأتمتة الكاملة، اكتشفت أن الذكاء الاصطناعي لا يجود إلا بجودة البيانات التي يُدرّب عليها. اضطرت الشركة لإعادة توظيف نحو 350 مهندساً من ذوي الخبرة الطويلة، أطلقت عليهم اسم اللحى الرمادية، لتدريب الأنظمة والشباب معاً.

فورد أعادت خلال الأعوام الثلاثة الماضية توظيف نحو 350 مهندسا ومختصا تقنيا من قدامى العاملين (الأوروبية)
فورد أعادت خلال الأعوام الثلاثة الماضية توظيف نحو 350 مهندسا ومختصا تقنيا من قدامى العاملين تسميهم اللحى الرمادية

السلم الوظيفي المتقلص

تشير دراسات برايس ووترهاوس كوبرز إلى أن وظائف المبتدئين في المهن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي أصبحت تشترط مهارات كانت تُطلب سابقاً من كبار الموظفين. هذا يعني أن السلم الوظيفي يتقلص، مما يطرح سؤالاً وجودياً: إذا كانت الشركات تستغني عن المبتدئين اليوم، فمن أين ستأتي بخبرات الغد؟

العمل المعقد ما زال يعتمد على إشراف بشري (بيكسابي)

في النهاية، قد يكتشف العالم بعد عقود أن ذعر اليوم كان مبالغاً فيه، تماماً كما حدث مع مخاوف نضوب الفحم. لكن الفارق الحاسم هو أن الخبرة ليست مورداً طبيعياً يُستخرج من الأرض، بل هي نتاج تراكمي يُكتسب في الوظائف الأولى، وهو ما يجعله المورد الأكثر عرضة للخطر في عصر الذكاء الاصطناعي.

قد نكتشف بعد 20 عاما أن مخاوفنا من الذكاء الاصطناعي كانت ذعرا لا مبرر له (رويترز)
تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news33852.html