
رغم تراجع أسعار النفط العالمية بأكثر من 8% خلال الأسبوع الماضي، في ظل المساعي الدولية لخفض حدة التوترات الجيوسياسية، إلا أن أسعار الوقود في الولايات المتحدة ظلت صامدة فوق حاجز 4 دولارات للغالون، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ نحو 4 أعوام. هذا التباين يضع المستهلك الأمريكي أمام تساؤل ملح: لماذا لا تتبع أسعار الوقود في محطات التعبئة مسار انخفاض المادة الخام بالسرعة نفسها؟
يرجع خبراء الطاقة هذا التأخر إلى تعقيدات سلاسل الإمداد، حيث لا يتحدد سعر البنزين بسعر النفط الخام وحده، بل يدخل في تشكيله تكاليف النقل، التكرير، التخزين، الضرائب، وهامش أرباح الشركات.
يفسر الخبراء هذا البطء بما يعرف بظاهرة الصاروخ والريشة؛ أي أن أسعار الوقود تصعد كـ الصاروخ فور ارتفاع النفط، لكنها تهبط ببطء شديد كـ الريشة عند تراجعه. وتشير دراسات الاحتياطي الفدرالي في دالاس إلى أن أسعار الوقود قد تحتاج إلى أكثر من 16 أسبوعاً لتتكيف تماماً مع تغيرات أسعار الخام، نظراً للمراحل المتعددة التي تمر بها العملية من التكرير إلى التوزيع.
ويؤكد ريتشارد ويسترديل، رئيس قطاع تطبيقات الطاقة في شركة كونيكتور، أن المخزونات الحالية تم شراؤها بأسعار مرتفعة، مما يمنع الشركات من خفض الأسعار فوراً. كما تلعب هوامش التكرير -التي تصل إلى 59 دولاراً للبرميل- دوراً محورياً، حيث تعتمد سرعة الانخفاض على مدى استعداد الشركات لتقليص أرباحها في ظل المنافسة.
وعلى الرغم من المطالبات بخفض الضرائب على الوقود -التي تمثل أكثر من 13% من السعر النهائي- يرى خبراء أن تأثير تكاليف التكرير والنقل يظل العامل الأكبر في الأزمة. وتعمل المصافي الأمريكية حالياً بكامل طاقتها، في وقت أدت فيه التوترات الإقليمية إلى زيادة تكاليف الشحن، مما يضع الإدارة الأمريكية في مأزق سياسي واقتصادي، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية وتأثير أسعار الوقود المباشر على معدلات التضخم.
يستبعد الخبراء قدرة الحكومة الأمريكية على التحكم المباشر في أسعار الوقود، كون السوق يخضع لآليات العرض والطلب العالمية. ومع ذلك، تبقى السياسة الخارجية والاتفاقيات الدولية أدوات غير مباشرة قد تساهم في تهدئة الأسواق على المدى الطويل، في ظل ترابط أسواق الطاقة عالمياً وتأثرها بأي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية.