
لا شيء جامد أو ثابت في عالم السياسة؛ فالخصم قد يصبح محايداً، وربما حليفاً، حيث تظل المصالح هي المحرك الأساسي للعلاقات الدولية. وتتجلى هذه القاعدة بوضوح في التحول الهادئ والمحسوب في العلاقات المصرية مع حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، بعد سنوات من القطيعة التي فرضتها التحديات الأمنية.
تشير المعطيات الراهنة إلى أن العلاقات بين القاهرة وطرابلس تمر بمرحلة انتقالية حاسمة. فبعد سنوات من سحب السفارة المصرية في طرابلس عام 2014 عقب تدهور الأوضاع الأمنية، استأنف القسم القنصلي عمله التجريبي في منطقة بن عاشور في يوليو الماضي. ومن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة زيارة مرتقبة لوزير الخارجية المصري، الدكتور بدر عبد العاطي، إلى طرابلس، وسط أنباء عن إعلان مرتقب لتعاون اقتصادي واسع النطاق.
كان واضحا أن لقاء السيسي والدبيبة كشف عن أن العلاقات بين الطرفين تطورت إلى مراحل مهمة، فعلى المستوى السياسي تم الحديث عن ضرورة دعم الاستقرار، ودفع العملية السياسية والحفاظ على وحدة ليبيا، ودعم مؤسسات الدولة وإنهاء المرحلة الانتقالية.
لم يعد التواصل مقتصراً على الجانب الأمني، بل ارتقى إلى أعلى المستويات السياسية، خاصة بعد زيارة الدبيبة لمدينة العلمين واجتماعه بالرئيس عبد الفتاح السيسي، بحضور أركان الدولة المصرية. وقد أثمر هذا اللقاء عن تفاهمات حول ثلاثة محاور رئيسية:
رغم التقارب مع طرابلس، تؤكد القاهرة أن علاقاتها مع الشرق الليبي تظل استراتيجية. وقد نجحت القاهرة في احتواء أي توترات محتملة بفضل ضمانات أمنية تلقتها بشأن ملفات إقليمية حساسة. وتتبنى مصر رؤية مفادها أن استقرار ليبيا لا يتحقق إلا عبر توافق وطني يسبق الانتخابات، مع التركيز على توحيد المؤسسة العسكرية كشرط أساسي لضمان أمن البلاد.
وجهة نظر القاهرة أيضا هي أن الانتخابات يجب أن تكون نتيجة لتوافق وطني، وبالتالي فهي تتحفظ على استمرار انقسام الحكومتين وانتشار السلاح، وغياب دستور متفق عليه بين الجميع، ولذلك فهي تدعو إلى توافق سياسي وأمني أولا.
يبرز التباين في الرؤى بين المبادرة الأمريكية التي تضع الاقتصاد والنفط كمدخل للحل، وبين المقاربة المصرية التي تمنح الأولوية للجانب الأمني والعسكري. وفي ظل هذه التعقيدات، تتجه الأنظار نحو تفعيل خريطة الطريق التي اتفق عليها الرؤساء الثلاثة (تكالة، صالح، والمنفي) في يونيو الماضي، كمسار وطني يهدف إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في موعد أقصاه 17 فبراير المقبل، وهو المسار الذي يحظى بدعم إقليمي ودولي واسع، ليظل الرهان قائماً على أن هذه الانفراجة في علاقات القاهرة وطرابلس ستكون حجر الزاوية في حلحلة الأزمة الليبية ككل.