
في عام 2003، ومع دخول القوات البريطانية إلى مدينة البصرة، واجهت المكتبة المركزية خطراً وجودياً تمثل في احتمالات النهب والتدمير. وسط هذا المشهد المأساوي، برزت عالية باقر، أمينة المكتبة، كبطلة استثنائية اتخذت قراراً مصيرياً لإنقاذ إرث ثقافي وتاريخي من الضياع.
عندما قوبل طلبها الرسمي بنقل الكتب إلى مكان آمن بالرفض من قبل السلطات المحلية، لم تستسلم باقر للروتين أو الخوف. بدأت رحلة سرية وخطيرة تحت جنح الظلام، حيث كانت تنقل الكتب والمخطوطات إلى منزلها مساءً، مستخدمةً كل ما وقعت عليه يداها من أوعية دقيق فارغة وخزائن، بل وحتى ثلاجة قديمة متهالكة، لإخفاء وحماية هذا الكنز المعرفي.
ومع اشتداد القصف، ابتكرت باقر طرقاً عبقرية لإنقاذ المقتنيات، حيث تعاونت مع صاحب مطعم مجاور لشق ثقب في جدار المكتبة، وشكلت سلسلة بشرية من العمال -الذين لم يمنعهم أميتهم من إدراك قيمة ما يحملونه- لنقل الكتب والمخطوطات في وقت قياسي إلى منزلها.
نجحت جهود باقر في إنقاذ حوالي 30 ألف كتاب ومخطوطة، من بينها نسخ نادرة من السيرة النبوية تعود للقرن الثالث عشر، وترجمة إسبانية لمعاني القرآن الكريم. ورغم هذا الإنجاز، تعرضت المكتبة للحرق بعد أن نهبها الغوغاء، مما أدى إلى فقدان ثلث المقتنيات التي لم تسعفها الظروف لإنقاذها.
تلك الفاجعة تسببت في إصابة باقر بنوبة قلبية، وعندما سُئلت عمن أحرق المكتبة، أجابت بمرارة: هولاكو. لم تكن تلك الكلمة مجرد وصف، بل كانت صرخة ضد تدمير الحضارة.
بعد تعافيها، قادت عالية باقر رحلة عكسية لإعادة الكتب إلى رفوف المكتبة، مما لفت أنظار الجمعيات الدولية التي ساهمت في إعادة بنائها في أكتوبر 2004. عادت باقر لممارسة عملها كأمينة للمكتبة، وظلت حتى وفاتها عام 2021 رمزاً للشجاعة، ومصدر إلهام في قصص الأطفال والروايات، مذكرّةً الجميع بأن البطولة الحقيقية تكمن في الموقف الشجاع وقت الأزمات.