
تشهد الأنظمة الصحية حول العالم تصاعداً ملحوظاً في تشخيص أمراض المناعة الذاتية، وسط حراك علمي مكثف لفهم أسباب هذا الانتشار. تشير التقديرات الحديثة إلى أن هذه الاضطرابات تطال ما بين 5% إلى 10% من سكان العالم، مع توقعات بزيادة العبء الإجمالي لهذه الأمراض خلال العقود المقبلة نتيجة تداخل عوامل بيئية ونمط الحياة المعاصر.
تنشأ أمراض المناعة الذاتية حين يفقد جهاز المناعة قدرته على التمييز بين أنسجة الجسم والعوامل الغريبة، فيبدأ بشن هجوم ضد خلايا الجسم السليمة، مما يسبب التهابات مزمنة قد تؤدي إلى تلف الأعضاء. وبينما لا تزال الأسباب الدقيقة غامضة، يرجح العلماء وجود تفاعل معقد بين الاستعداد الجيني وعوامل خارجية كالتلوث، والتدخين، والسمنة، وتغير الميكروبيوم.
لم تكن الطفرة في اكتشاف الأمراض المناعية وليدة اللحظة، بل هي نتاج التطور في تقنيات التسلسل الجيني، التي مكنت الأطباء من إعادة تصنيف حالات كانت تُشخص سابقاً تحت مسميات عامة. ومن أبرز الاكتشافات الحديثة:
يتجه الباحثون بشكل متزايد لدراسة تأثير الملوثات البيئية، وعلى رأسها المواد الكيميائية الأبدية (PFAS) والمبيدات الزراعية. وقد ربطت دراسات حديثة بين هذه المواد وارتفاع مؤشرات الالتهاب المناعي، رغم التأكيد على الحاجة لمزيد من الدراسات طويلة الأمد لإثبات العلاقة السببية.
تشير الأبحاث إلى أن العدوى الفيروسية، بما فيها فيروس كوفيد-19، قد تعمل كمحفز للأمراض الروماتيزمية الالتهابية. وتؤكد البيانات الإحصائية أن الأشخاص الذين تعرضوا للإصابة كانوا أكثر عرضة لتشخيص أمراض مناعية لاحقاً مقارنة بغيرهم، مما يعزز فرضية دور الفيروسات في إثارة الخلل المناعي لدى الأشخاص المهيئين جينياً.
إن القائمة المتزايدة للأمراض المناعية ليست دليلاً على تغير بيولوجي مفاجئ في البشر فحسب، بل هي انعكاس لقدرة الطب الحديث على رؤية ما كان خفياً. لا يزال اللغز المناعي مفتوحاً، حيث تتضافر العوامل الجينية والبيئية لتشكل تحدياً مستمراً للعلوم الطبية في سعيها نحو تشخيص أدق وعلاجات أكثر فاعلية.